فخر الدين الرازي

114

تفسير الرازي

الأعذار ، وإزالة الموانع وفعل الألطاف ، لأن كل ما كان في مقدور الله تعالى من هذا الباب فقد فعله ، فيكون ذلك إما طلباً لتحصيل الحاصل ، أو طلباً لتحصيل الممتنع وأنه محال فعلمنا أن تلك الإعاذة التي طلبها يوسف من الله تعالى لا معنى لها ، إلا أن يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة وأن يزيل عن قلبه داعية المعصية ، وذلك هو المطلوب ، والدليل على أن المراد ما ذكرناه ما نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقع بصره على زينب قال : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " وكان المراد منه تقوية داعية الطاعة ، وإزالة داعية المعصية فكذا ههنا ، وكذا قوله عليه السلام : " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن " فالمراد من الأصبعين داعية الفعل ، وداعية الترك وهاتان الداعيتان لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى ، وإلا لافتقرت إلى داعية أخرى ولزم التسلسل فثبت أن قول يوسف عليه السلام : * ( معاذ الله ) * من أدل الدلائل على قولنا والله أعلم . السؤال الثالث : ذكر يوسف عليه السلام في الجواب عن كلامها ثلاثة أشياء : أحدها : قوله : * ( معاذ الله ) * والثاني : قوله تعالى عنه : * ( إنه ربي أحسن مثواي ) * والثالث : قوله : * ( إنه لا يفلح الظالمون ) * فما وجه تعلق بعض هذا الجواب ببعض ؟ والجواب : هذا الترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن الانقياد لأمر الله تعالى وتكليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه وألطافه في حق العبد فقوله : * ( معاذ الله ) * إشارة إلى أن حق الله تعالى يمنع عن هذا العمل ، وأيضاً حقوق الخلق واجبة الرعاية ، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقي يقبح مقابلة إنعامه وإحسانه بالإساءة ، وأيضاً صون النفس عن الضرر واجب ، وهذه اللذة لذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا ، وعذاب شديد في الآخرة ، واللذة القليلة إذا لزمها ضرر شديد ، فالعقل يقتضي تركها والاحتراز عنها فقوله : * ( إنه لا يفلح الظالمون ) * إشارة إليه ، فثبت أن هذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه الترتيب . قوله تعالى * ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) * . اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها وفي هذه الآية مسائل :