فخر الدين الرازي

102

تفسير الرازي

المسألة الأولى : إنما جاؤوا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم . قيل : ذبحوا جدياً ولطخوا ذلك القميص بدمه . قال القاضي : ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيداً لصدقهم ، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان ، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى ، فلما شاهد يعقوب القميص صحيحاً علم كذبهم . المسألة الثانية : قوله : * ( وجاؤا على قميصه ) * أي وجاؤا فوق قميصه بدم كما يقال : جاؤوا على جمالهم بأحمال . المسألة الثالثة : قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن الأنباري * ( بدم كذب ) * أي مكذوب فيه ، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير دم ذي كذب ولكنه جعل نفسه كذباً للمبالغة قالوا : والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال : ماء سكب ، أي مسكوب ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن ، والفاعل كقوله : * ( إن أصبح ماؤكم غوراً ) * ( الملك : 30 ) ورجل عدل وصوم ، ونساء نوح ولما سميا بالمصدر سمي المصدر أيضاً بهما فقالوا : للعقل المعقول ، وللجلد المجلود ، ومنه قوله تعالى * ( بأيكم المفتون ) * ( القلم : 6 ) وقوله : * ( إذا مزقتم كل ممزق ) * ( سبأ : 7 ) قال الشعبي : قصة يوسف كلها في قميصه ، وذلك لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ، ولما شهد الشاهد قال : * ( إن كان قميصه قد من قبل ) * ( يوسف : 26 ) ولما أتي بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقى على وجهه ارتد بصيراً ، ثم ذكر تعالى أن أخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم قال يعقوب عليه السلام : * ( بل سولت لكم أنفسكم أمراً ) * . قال ابن عباس : معناه : بل زينت لكم أنفسكم أمراً . والتسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري : كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان ، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره . وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز وقال صاحب " الكشاف " : * ( سولت ) * سهلت من السول وهو الاسترخاء . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( بل ) * رد لقولهم : * ( أكله الذئب ) * كأنه قال : ليس كما تقولون : * ( بل سولت لكم أنفسكم ) * في شأنه * ( أمراً ) * أي زينت لكم أنفسكم أمراً غير ما تصفون ، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه : لأول : أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم . والثاني : أنه كان عالماً بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف : * ( وكذلك يجتبيك ربك ) * ( يوسف : 6 ) وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك .