فخر الدين الرازي
11
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ ) * . اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التكاليف التي ذكرها هود عليه السلام لقومه ، وذلك لأنه في المقام الأول دعاهم إلى التوحيد ، وفي هذا المقام دعاهم إلى الاستغفار ثم إلى التوبة ، والفرق بينهما قد تقدم في أول هذه السورة . قال أبو بكر الأصم : استغفروا ، أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى وبالعزم على أن لا تعدوا إلى مثله ؛ ثم إنه عليه السلام قال : " إنكم متى فعلتم ذلك فالله تعالى يكثر النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك النعم " وهذا غاية ما يراد من السعادات ، فإن النعم إن لم تكن حاصلة تعذر الانتفاع وإن كانت حاصلة ، إلا أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود أيضاً ، أما إذا كثرت النعمة وحصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها ، فههنا تحصل غاية السعادة والبهجة فقوله تعالى : * ( يرسل السماء عليكم مدراراً ) * إشارة إلى تكثير النعم لأن مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة ، وقوله : * ( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) * إشارة إلى كمال حال القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك النعمة ، ولا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة بتحصيل السعادات وأن الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل ، ويجب على العاقل أن يتأمل في هذه اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب الكريم من الأسرار المخفية ، وأما المفسرون فإنهم قالوا القوم كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من الكمال : أحدهما : أن بساتينهم ومزارعهم كانت في غاية الطيب والبهجة ، والدليل عليه قوله : * ( إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد ) * ( الفجر : 7 ، 8 ) والثاني : أنهم كانوا في غاية القوة والبطش ولذلك قالوا : * ( من أشد منا قوة ) * ( فصلت : 15 ) ، ولما كان القوم مفتخرين على سائر الخلق بهذين الأمرين وعدهم هود عليه السلام ، أنهم لو تركوا عبادة الأصنام واشتغلوا بالاستغفار والتوبة فإن الله تعالى يقوي حالهم في هذين المطلوبين ويزيدهم فيها درجات كثيرة ، ونقل أيضاً أن الله تعالى لما بعث هوداً عليه السلام إليهم وكذبوه وحبس الله عنهم المطر سنين وأعقم أرحام نسائهم فقال لهم هود : إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد ، فذلك قوله : * ( يرسل السماء عليكم مدراراً ) * والمدرار الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة وقوله : * ( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) * ففسروا هذه القوة بالمال والولد ، والشدة في الأعضاء ، لأن كل ذلكم ما يتقوى به الإنسان .