فخر الدين الرازي
10
تفسير الرازي
وبين الأزل محالاً ، فثبت أن لحركات الأفلاك أولاً ، وإذا ثبت هذا وجب أن يقال : هذه الأجرام الفلكية كانت معدومة في الأزل وإن كانت موجودة ، لكنها كانت واقفة وساكنة . وما كانت متحركة ، وعلى التقديرين : فلحركاتها أول وبداية . " وأما المقام الثاني " : وهو أنه لما كان الأمر كذلك وجب افتقارها إلى مدبر قاهر ، فالدليل عليه أن ابتداء هذه الأجرام بالحركة في ذلك الوقت المعين دون ما قبله ودون ما بعده ، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص ، وترجيح مرجح . وذلك المرجح يمتنع أن يكون موجباً بالذات ، وإلا لحصلت تلك الحركة قبل ذلك الوقت لأجل أن موجب تلك الحركة كان حاصلاً قبل ذلك الوقت ، ولما بطل هذا ، ثبت أن ذلك المرجح قادر مختار وهو المطلوب . الوجه الثالث : في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله المختار ، وهو أن أجزاء الفلك حاصلة فيه لا في الفلك الآخر ، وأجزاء الفلك الآخر حاصلة فيه لا في الفلك الأول . فاختصاص كل واحد منها بتلك الأجزاء أمر ممكن ، ولا بد له من مرجح ، ويعود التقرير الأول فيه . فهذا تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : أن كلمة * ( الذي ) * كلمة وضعت للإشارة إلى شيء مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، كما إذا قيل لك من زيد ؟ فتقول : الذي أبوه منطلق ، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان كون أبيه منطلقاً ، أمراً معلوماً عند السامع ، فهنا لما قال : * ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) * فهذا إنما يحسن لو كان كونه سبحانه وتعالى خالقاً للسموات والأرض في ستة أيام ، أمراً معلوماً عند السامع ، والعرب ما كانوا عالمين بذلك ، فكيف يحسن هذا التعريف ؟ وجوابه أن يقال : هذا الكلام مشهور عند اليهود والنصارى ، لأنه مذكور في أول ما يزعمون أنه هو التوراة . ولما كان ذلك مشهوراً عندهم والعرب كانوا يخالطونهم ، فالظاهر أنهم أيضاً سمعوه منهم ، فلهذا السبب حسن هذا التعريف . السؤال الثاني : ما الفائدة في بيان الأيام التي خلقها الله فيها ؟ والجواب : أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر . والدليل عليه أن العالم مركب من الأجزاء التي لا تتجزى ، والجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إيجاده إلا دفعه ، لأنا لو فرضنا أن إيجاده إنما يحصل في زمان ، فذلك الزمان منقسم لا محالة من آنات متعاقبة ، فهل حصل شيء من ذلك الإيجاد في الآن الأول أو لم يحصل ، فإن لم يحصل منه شيء في الآن الأول فهو خارج عن مدة الإيجاد ، وإن حصل في ذلك الآن إيجاد شيء وحصل في الآن الثاني إيجاد شيء آخر ، فهما