فخر الدين الرازي
8
تفسير الرازي
وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة ، فاحتاجوا إلى هذا الكلام . واعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحراً ، يحتمل أن يكونوا ذكروه في معرض الذم ، ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح ، فلهذا السبب اختلف المفسرون فيه . فقال بعضهم : أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر ، ولكنه باطل في الحقيقة ، ولا حاصل له ، وقال آخرون : أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله ، جار مجرى السحر . واعلم أن هذا الكلام لما كان في غاية الفساد لم يذكر جوابه ، وإنما قلنا إنه في غاية الفساد ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان منهم ، ونشأ بينهم وما غاب عنهم ، وما خالط أحداً سواهم ، وما كان مكة بلدة العلماء والأذكياء ، حتى يقال : إنه تعلم السحر أو تعلم العلوم الكثيرة منهم فقدر على الإتيان بمثل هذا القرآن . وإذا كان الأمر كذلك ، كان حمل القرآن على السحر كلاماً في غاية الفساد ، فلهذا السبب ترك جوابه . قوله تعالى * ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ سْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الاَْمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة ، ثم إنه تعالى أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد البتة في أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولاً يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب ، وعلى الأعمال الباطلة الفاسدة بالعقاب ، كان هذا الجواب إنما يتم ويكمل بإثبات أمرين : أحدهما : إثبات أن لهذا العالم إلهاً قاهراً قادراً نافذاً لحكم بالأمر والنهي والتكليف . والثاني : إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما ، فلا جرم أنه سبحانه ذكر في هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين . أما الأول : وهو إثبات الإلهية ، فبقوله تعالى : * ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) * . وأما الثاني : وهو إثبات المعاد والحشر والنشر . فبقوله : * ( إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً ) * ( يونس : 4 ) فثبت أن هذا الترتيب في غاية الحسن ، ونهاية الكمال . وفي الآية مسائل :