فخر الدين الرازي

34

تفسير الرازي

الذوات في أنفسها ، مع قطع النظر عن تلك الصفات ، متساوية في تمام الماهية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ما يصح على جسم ، وجب أن يصح على كل جسم ، وذلك هو المطلوب . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الذي به خالف بعض الأجسام بعضاً ، أمور موصوفة بالجسمية والتحيز والمقدار . فنقول : هذا أيضاً باطل . لأن ذلك الموصوف ، إما أن يكون حجماً ومتحيزاً أو لا يكون ، والأول باطل ، وإلا لزم افتقاره إلى محل آخر ، ويستمر ذلك إلى غير النهاية . وأيضاً فعلى هذا التقدير يكون المحل مثلاً للحال ، ولم يكن كون أحدهما محلاً والآخر حالاً ، أولى من العكس ، فيلزم كون كل واحد منهما محلاً للآخر وحالاً فيه ، وذلك محال ، وأما إن كان ذلك المحل غير متحيز ، وله حجم . فنقول : مثل هذا الشيء لا يكون له اختصاص بحيز ولا تعلق بجهة والجسم مختص بالحيز ، وحاصل في الجهة ، والشيء الذي يكون واجب الحصول في الحيز والجهة ، يمتنع أن يكون حالاً في الشيء الذي يمتنع حصوله في الحيز والجهة . وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : ما به خالف جسم جسماً ، لا حال في الجسم ولا محل له ، فهذا أيضاً باطل ، لأن على هذا التقدير يكون ذلك الشيء شيئاً مبايناً عن الجسم لا تعلق له به ، فحينئذ تكون ذوات الأجسام من حيث ذواتها متساوية في تمام الماهية ، وذلك هو المطلوب ، فثبت أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية . وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية ، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي ، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر ، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضاً ، وبالعكس . وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر ، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد موجد . وتقدير مقدر وذلك هو المطلوب ، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل ، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل ، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى : * ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ) * وهو المطلوب . المسألة الثالثة : قال أبو علي الفارسي : الضياء لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض ، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك قام قياماً ، وصام صياماً ، وعلى أي الوجهين حملته ، فالمضاف محذوف ، والمعنى جعل الشمس ذات ضياء ، والقمر ذا نور ، ويجوز أن يكون من غير ذلك لأنه لما عظم الضوء والنور فيهما جعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم أنه كرم وجود .