فخر الدين الرازي

30

تفسير الرازي

* ( إليه مرجعكم ) * وقوله : * ( حقاً ) * مصدراً مؤكداً لقوله : * ( وعد الله ) * فهذه التأكيدات قد اجتمعت في هذا الحكم . المسألة الثانية : قرىء * ( وعد الله ) * على لفظ الفعل . واعلم أنه تعالى لما أخبر عن وقوع الحشر والنشر ، ذكر بعده ما يدل على كونه في نفسه ممكن الوجود . ثم ذكر بعده ما يدل على وقوعه . أما ما يدل على إمكانه في نفسه فهو قوله سبحانه : * ( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقرير هذا الدليل أنه تعالى بين بالدليل كونه خالقاً للأفلاك والأرضين ، ويدخل فيه أيضاً كونه خالقاً لكل ما في هذا العالم من الجمادات والمعادن والنبات والحيوان والإنسان ، وقد ثبت في العقل أن كل من كان قادراً على شيء ، وكانت قدرته باقية ممتنعة الزوال ، وكان عالماً بجميع المعلومات فإنه يمكنه إعادته بعينه ، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر على إعادة الإنسان بعد موته . المسألة الثانية : اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام العالم ، واختلفوا في أنه تعالى هل يعدمها أم لا ؟ فقال قوم إنه تعالى يعدمها ، واحتجوا بهذه الآية وذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات بأنه يعيدها ، فوجب أن يعيد الأجسام أيضاً ، وإعادتها لا تمكن إلا بعد إعدامها ، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال . ونظيره قوله تعالى : * ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده ) * ( الأنبياء : 104 ) فحكم بأن الإعادة تكون مثل الابتداء ، ثم ثبت بالدليل أنه تعالى إنما يخلقها في الابتداء من العدم ، فوجب أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضاً من العدم . المسألة الثالثة : في هذه الآية إضمار ، كأنه قيل : إنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ، ثم يميتهم ثم يعيدهم ، كما قال في سورة البقرة : * ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ) * ( البقرة : 28 ) إلا أنه تعالى حذف ذكر الأمر بالعبادة ههنا ، لأجل أنه تعالى قال قبل هذه الآية : * ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه ) * ( يونس : 3 ) وحذف ذكر الإماتة لأن ذكر الإعادة يدل عليها . المسألة الرابعة : قرأ بعضهم * ( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) * بالكسر وبعضهم بالفتح . قال الزجاج : من كسر الهمزة من " أن " فعلى الاستئناف ، وفي الفتح وجهان : الأول : أن يكون التقدير : إليه مرجعكم جميعاً لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده . والثاني : أن يكون التقدير : وعد الله وعداً بدأ الخلق ثم إعادته ، وقرئ * ( يبدئ ) * من أبدأ وقرئ * ( حق إنه يبدأ الخلق ) * كقولك : حق إن زيداً منطلق . أما قوله تعالى : * ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) * فاعلم أن المقصود منه إقامة الدلالة على أنه لا بد من حصول الحشر والنشر ، حتى يحصل الفرق بين المحسن والمسئ ، وحتى يصل