فخر الدين الرازي
18
تفسير الرازي
المثال الرابع : أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان الناس فكيف يقال : إنه لا يقدر على إعادتها ؟ فإن من كان الفعل الأصعب عليه سهلاً ، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلاً كان . أولى وهذا المعنى مذكور في آيات كثيرة : منها : قوله تعالى : * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) * ( يس : 81 ) وثانيها : قوله تعالى : * ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ) * ( الأحقاف : 33 ) وثالثها : * ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها ) * ( النازعات : 27 ) . المثال الخامس : الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم على جواز الحشر والنشر ، فإن النوم أخو الموت ، واليقظة بعد الموت . قال تعالى : * ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) * ( الأنعام : 60 ) ثم ذكر عقيبه أمر الموت والبعث ، فقال : * ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون * ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) * ( الأنعام : 61 ، 62 ) وقال في آية أخرى * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) * ( الزمر : 42 ) إلى قوله : * ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) * ( الرعد : 3 ) والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر . المثال السادس : أن الإحياء بعد الموت لا يستنكر إلا من حيث إنه يحصل الضد بعد حصول الضد ، إلا أن ذلك غير مستنكر في قدرة الله تعالى ، لأنه لما جاز حصول الموت عقيب الحياة فكيف يستبعد حصول الحياة مرة أخرى بعد الموت ؟ فإن حكم الضدين واحد . قال تعالى مقرراً لهذا المعنى : * ( نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ) * ( الواقعة : 60 ) وأيضاً نجد النار مع حرها ويبسها تتولد من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته فقال : * ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون ) * ( يس : 80 ) فكذا ههنا ، فهذا جملة الكلام في بيان أن القول بالمعاد ، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول . المسألة الثانية : في إقامة الدلالة على أن المعاد حق واجب . اعلم أن الأمة فريقان منهم من يقول : يجب عقلاً أن يكون إله العالم رحيماً عادلاً منزهاً عن الإيلام والإضرار ، إلا لمنافع أجل وأعظم منها ، ومنهم من ينكر هذه القاعدة ويقول : لا يجب على الله تعالى شيء أصلاً ، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . أما الفريق الأول : فقد احتجوا على وجود المعاد من وجوه . الحجة الأولى : أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولاً بها يميزون بين الحسن والقبيح ، وأعطاهم قدراً بها يقدرون على الخير والشر . وإذا ثبت هذا فمن الواجب في حكمة الله تعالى وعدله