فخر الدين الرازي

14

تفسير الرازي

سبحانه وتعالى : * ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها ) * ( النازعات : 27 ، 28 ) فذكر أولاً أنه بناها ، ثم ذكر ثانياً أنه رفع سمكها فسواها . وكذلك ههنا . ذكر بقوله : * ( خلق السماوات والأرض ) * أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله : * ( ثم استوى على العرش ) * أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها . والقول الثاني : وهو القول المشهور لجمهور المفسرين : أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية : الجسم العظيم الذي في السماء ، وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى : * ( ثم استوى على العرش ) * لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السماوات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى * ( وكان عرشه على الماء ) * ( هود : 7 ) وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السماوات والأرضين . بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر . وهو أن يكون المراد : ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش . والقول الثالث : أن المراد من العرش الملك ، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله : * ( ثم استوى على العرش ) * المراد أنه تعالى لما خلق السماوات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب ، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات ، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات . والحاصل أن العرش عبارة عن الملك ، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته ، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السماوات والأرض ، لا جرم صح إدخال حرف * ( ثم ) * الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده . المسألة الرابعة : أما قوله : * ( يدبر الأمر ) * معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله ، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها ، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي . والمراد من * ( الأمر ) * الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السماوات والأرض . فإن قيل : ما موقع هذه الجملة ؟ قلنا : قد دل بكونه خالقاً للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستوياً على العرش ، على نهاية العظمة وغاية الجلالة . ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولا حادث من الحوادث ، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه ، فيصير ذلك دليلاً على نهاية القدرة والحكمة والعلم والإحاطة التدبير ، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات ، وإليه تنتهي الحاجات .