فخر الدين الرازي
12
تفسير الرازي
والسؤال الثالث : فهل هذه الأيام كأيام الدنيا أو كما روي عن ابن عباس أنه قال : إنها ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ؟ والجواب : قال القاضي : الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه لهما ، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفاً ، إلا والمدة هذه الأيام المعلومة . ولقائل أن يقول : لما وقع التعريف بالأيام المذكورة في التوراة والإنجيل ، وكان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا ، لم يكن ذلك قادحاً في صحة التعريف . السؤال الرابع : هذه الأيام إنما تتقدر بحسب طلوع الشمس وغروبها ، وهذا المعنى مفقود قبل خلقها ، فكيف يعقل هذا التعريف ؟ والجواب التعريف يحصل بما أنه لو وقع حدوث السماوات والأرض في مدة ، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمس وقمر ، لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام : ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم ، يحصل فيها حدوث العالم ، وذلك يوجب قدم المدة . وجوابه : أن تلك المدة غير موجودة بل هي مفروضة موهومة ، والدليل عليه أن تلك المدة المعينة حادثة ، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى ، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محال ، فكل ما يقولون في حدوث المدة فنحن نقوله في حدوث العالم . السؤال الخامس : أن اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته ، وقد يراد به النهار وحده . فالمراد بهذه الآية أيهما . والجواب : الغالب في اللغة أنه يراد باليوم . اليوم بليلته . المسألة الثانية : أما قوله : * ( ثم استوى على العرش ) * ففيه مباحث : الأول : أن هذا يوهم كونه تعالى مستقراً على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه ، ولكنا نكتفي ههنا بعبارة وجيزة . فنقول : هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمداً عليه مستقراً عليه ، بحيث لولا العرش لسقط ونزل ، كما أنا إذا قلنا إن فلاناً مستو على سريره . فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى . إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجاً إلى العرش ، وإنه لولا العرش لسقط ونزل ، وذلك محال ، لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له ، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له . والثاني : أن قوله : * ( ثم استوى على العرش ) * يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستوياً عليه ،