فخر الدين الرازي
22
تفسير الرازي
المسلمون حين سمعوا صوته عنقاً واحداً ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده كفاً من الحصى فرماهم بها وقال : " شاهت الوجوه " فما زال أمرهم مدبراً ، وحدهم كليلاً حتى هزمهم الله تعالى ، ولم يبق منهم يومئذ أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب ، فذلك قوله : * ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) * . واعلم أنه تعالى لما بين أن الكثرة لا تنفع ، وأن الذي أوجب النصر ما كان إلا من الله ذكر أموراً ثلاثة : أحدها : إنزال السكينة والسكينة ما يسكن إليه القلب والنفس ، ويوجب الأمنة والطمأنينة ، وأظن وجه الاستعارة فيه أن الإنسان إذا خاف فر وفؤاده متحرك ، وإذا أمن سكن وثبت ، فلما كان الأمن موجباً للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن . واعلم أن قوله تعالى : * ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) * يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي ، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا من قبل الله تعالى . أما بيان الأول : فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم ، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات ، بل فر القوم وانهزموا . ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وثبتوا عنده وسكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية . وأما بيان الثاني : وهو أن حصول تلك الداعية من الله تعالى فهو صريح . قوله تعالى : * ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله ) * والعقل أيضاً دل عليه ، وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد ، لتوقف على حصول داع آخر ولزم التسلسل ، وهو محال . ثم قال تعالى : * ( وأنزل جنوداً لم تروها ) * واعلم أن هذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله في ذلك اليوم ، ولا خلاف أن المراد إنزال الملائكة ، وليس في الظاهر ما يدل على عدة الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر ، وقال سعيد بن جبير : أمد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة . ولعله إنما ذكر هذا العدد قياساً على يوم بدر ، وقال سعيد بن المسيب : حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال : لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم ، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء ، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان ، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا ، وأيضاً اختلفوا أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم ؟ والرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا ومنهم من قال إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر . وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو إلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين .