فخر الدين الرازي
15
تفسير الرازي
حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات الدنيا ، فإذا دام ذلك التفريق وانتقص تعلقه بحب الدنيا ، فهذا التفريق والنقص يحصلان بالهجرة . ثم إنه بعده لا بد من استحقار الدنيا والوقوف على معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها ورفضها ، وذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار ، ولولا أنه استحقر الدنيا وإلا لما فعل ذلك ، وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض ، ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلاً بالنظر إلى صفات الجلال والإكرام ، وفي مشاهدتها يحصل بذل النفس والمال ، فيصير الإنسان شهيداً مشاهداً لعالم الجلال مكاشفاً بنور الجلالة مشهوداً له بقوله تعالى : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا ) * وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد ، وهو المراد من قوله : * ( عند ربهم ) * وهنا يحق الوقوف في الوصول . ثم قال تعالى : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ) * . واعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف ، نازلاً إلى الأدون فالأدون ، ونحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين . أما الأول فنقول : فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان ، وهذا هو التعظيم والإجلال من قبل الله . وقوله : * ( وجنات لهم ) * إشارة إلى حصول المنافع العظيمة وقوله : * ( فيها نعيم ) * إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة ، ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات وقوله : * ( مقيم ) * عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة . ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات : أولها : * ( مقيم ) * وثانيها : قوله : * ( خالدين فيها ) * وثالثها : قوله : * ( أبدا ) * فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، وذلك هو حد الثواب . وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة . ومن المتكلمين من قال قوله : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ) * المراد منه خيرات الدنيا وقوله : * ( ورضوان لهم ) * المراد منه كونه تعالى راضياً عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا وقوله : * ( وجنات ) * المراد منه المنافع وقوله : * ( لهم فيها نعيم ) * المراد منه كون تلك النعم خالصة عن المكدرات ، لأن النعيم مبالغة في النعمة