فخر الدين الرازي

12

تفسير الرازي

درجة عند الله ، وهذا يقتضي أيضاً أن يكون للمرجوح أيضاً درجة عند الله ، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن وسنجيب عن هذا الكلام إذا انتهينا إليه . وإما الذين قالوا : إنها جرت بين المسلمين والكافرين ، فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى : * ( كمن آمن بالله ) * وبين من آمن بالله وهذا هو الأقرب عندي . وتقرير الكلام أن نقول : إنا قد نقلنا في تفسير قوله تعالى : * ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ) * أن العباس احتج على فضائل نفسه ، بأنه عمر المسجد الحرام وسقي الحاج . فأجاب الله عنه بوجهين : الوجه الأول : ما بين في الآية الأولى أن عمارة المسجد ، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن ، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة . والوجه الثاني : من الجواب كل ما ذكره في هذه الآية ، وهو أن يقال : هب أنا سلمنا أن عمارة المسجد الحرام وسقي الحاج ، يوجب نوعاً من أنواع الفضيلة ، إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان بالله ، والجهاد قليل جداً . فكان ذكر هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد خطأ ، لأنه يقتضي مقابلة الشيء الشريف الرفيع جداً بالشيء الحقير التافه جداً ، وأنه باطل ، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الآية ، وبهذا الطريق يحصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية . واعلم أن السقاية والعمارة فعل ، قوله : * ( من آمن بالله ) * إشارة إلى الفاعل ، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل ، والصفة بالذات وأنه محال ، فلا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أن نقول التقدير أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كم آمن بالله ؟ ويقويه قراءة عبد الله بن الزبير * ( سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام ) * والثاني : أن نقول التقدير أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله ؟ ونظيره قوله تعالى : * ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) * ( البقرة : 177 ) إلى قوله : * ( ولكن البر من آمن بالله ) * . المسألة الثالثة : قال الحسن رحمه الله تعالى : كانت السقاية بنبيذ الزبيب ، وعن عمر أنه وجد نبيذ السقاية من الزبيب شديداً فكسر منه بالماء ثلاثاً ، وقال إذا اشتد عليكم فاكسروا منه بالماء وأما عمارة المسجد الحرام فالمراد تجهيزه وتحسين صورة جدرانه ، ولما ذكر تعالى وصف الفريقين قال : * ( لا يستوون ) * ولكن لما كان نفي المساواة بينهما لا يفيد أن الراجح من هو ؟ نبه على الراجح بقوله : * ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) * فبين أن الكافرين ظالمون لأنفسهم فإنهم خلقوا للإيمان وهم