فخر الدين الرازي

10

تفسير الرازي

عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل ، ولا يوجب ذلك لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك ، فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم : إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك . وقال أبو مسلم : بل كان عارفاً بذلك من قبل ، وهذا أقرب ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله تعالى : * ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ) * يدل على أنه حال ما كان راجعاً كان غضبان أسفاً ، وهو إنما كان راجعاً إلى قومه قبل وصوله إليهم ، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالماً بهذه الحالة . الثاني : أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات . المسألة الثانية : في الأسف قولان : الأول : أن الأسف الشديد الغضب ، وهو قول أبي الدرداء وعطاء ، عن ابن عباس واختيار الزجاج . واحتجوا بقوله : * ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) * ( الزخرف : 55 ) أي أغضبونا . والثاني : وهو أيضاً قول ابن عباس والحسن والسدي ، إن الآسف هو الحزين . وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن أبا بكر رجل أسيف أي حزين . قال الواحدي : والقولان متقاربان ، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب ، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت ، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت . فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً ، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل ، أسفاً حزيناً ، لأن الله تعالى فتنهم . وقد كان تعالى قال له : * ( إنا قد فتنا قومك من بعدك ) * ( طه : 85 ) . أما بقوله : * ( بئسما خلفتموني من بعدي ) * فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل ، وهم : هارون عليه السلام والمؤمنون معه ، ويدل عليه قوله : * ( اخلفني في قومي ) * ( الأعراف : 142 ) وعلى التقدير الأول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله ، وعلى هذا التقدير الثاني ، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : أين ما يقتضيه " بئس " من الفاعل ، والمخصوص بالذم . والجواب : الفاعل مضمر يفسره قوله : * ( ما خلفتموني ) * والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم . السؤال الثاني : أي معنى لقوله : * ( من بعدي ) * بعد قوله : * ( خلفتموني ) * . والجواب : معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله تعالى ، ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من بعد ما كانت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا : * ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) * ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين . وأما قوله : * ( أعجلتم أمر ربكم ) * فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ، ولذلك صارت مذمومة