فخر الدين الرازي
89
تفسير الرازي
* ( خلق منها زوجها ) * المراد حواء . قالوا ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم ، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم . قالوا : والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل ، والجنسية علة الضم ، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم ؟ ولم لا نقول : إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء ؟ وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء ، وأيضاً الذي يقال : إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح . بقي أن يقال : إذا لم نقل بذلك ، فما المراد من كلمة * ( من ) * في قوله : * ( وجعل منها زوجها ) * فنقول : قد ذكرنا أن الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه ، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة والسلام : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع . وقال عليه الصلاة والسلام : " في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون " والمراد خلق من النوع الإنساني زوجة آدم ، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنساناً مثله قوله : * ( فلما تغشاها ) * أي جامعها ، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها ، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها ، ومثله يجللها ، وهو يشبه التغطي واللبس . قال تعالى : * ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) * وقوله : * ( حملت حملاً خفيفاً ) * قالوا يريد النطفة والمني والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر ، والحمل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على الدابة . وقوله : * ( فمرت به ) * أي استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة ، والمراد أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل . قال صاحب " الكشاف " : وقرأ يحيى بن يعمر * ( فمرت به ) * بالتخفيف وقرأ غيره * ( فمارت به ) * من المرية . كقوله : * ( أفتمارونه ) * وفي قراءة أخرى * ( أفتمرونه ) * معناه وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه * ( فلما أثقلت ) * أي صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها * ( دعوا الله ربهما ) * يعني آدم وحواء * ( لئن آتيتنا صالحاً ) * أي ولداً سوياً مثلنا * ( لنكونن من الشاكرين ) * لآلائك ونعمائك * ( فلما آتاهما ) * الله * ( صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما ) * والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وعاصم ، في رواية حفص * ( عنه شركاء ) * بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر * ( عنه شركاً ) * بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء ، أو يقال معناه أحدثا لله إشراكاً في الولد ومن قرأ * ( شركاء ) * فحجته قوله : * ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا ) * وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين ، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة ، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل والله أعلم .