فخر الدين الرازي

72

تفسير الرازي

الله ، فهذه الأقسام الثلاثة هي الإلحاد في الأسماء . فإن قال قائل : هل يلزم من ورود الأول في إطلاق لفظه على الله تعالى أن يطلق عليه سائر الألفاظ المشتقة منه على الإطلاق ؟ قلنا : الحق عندي أن ذلك غير لازم لا في حق الله تعالى ، ولا في حق الملائكة والأنبياء وتقريره : أن لفظ " علم " ورد في حق الله تعالى في آيات منها قوله : * ( وعلم آدم الأسماء كلها ) * ( البقرة : 31 ) * ( علمك ما لم تكن تعلم ) * ( النساء : 113 ) * ( علمناه من لدنا علماً ) * ( الكهف : 65 ) * ( الرحمن علم القرآن ) * ( الرحمن : 1 ، 2 ) ثم لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى يا معلم ، وأيضاً ورد قوله : * ( يحبهم ويحبونه ) * ( المائدة : 54 ) ثم لا يجوز عندي أن يقال يا محب . وأما في حق الأنبياء ، فقد ورد في حق آدم عليه السلام : * ( وعصى آدم ربه فغوى ) * ( طه : 121 ) ثم لا يجوز أن يقال إن آدم كان عاصياً غاوياً ، وورد في حق موسى عليه السلام * ( يا أبت استأجره ) * ( القصص : 26 ) ثم لا يجوز أن يقال إنه عليه السلام كان أجيراً ، والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على الوارد ، فأما التوسع بإطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندي ممنوعة غير جائزة . ثم قال تعالى : * ( سيجزون ما كانوا يعملون ) * فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله . قالت المعتزلة : الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد ، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله . * ( وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما قال : * ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس ) * فأخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله : * ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) * ليبين أيضاً أن كثيراً منهم مخلوقان للجنة . واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله : * ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) * فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، روى قتادة وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها هذه الأمة وروى أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال : " هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها " وعن الربيع بن أنس أنه قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال : " إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم " وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار . قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل ، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ،