فخر الدين الرازي

52

تفسير الرازي

بني آدم بالقرآن ، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر ، وعلى هذا التقدير : فلا منافاة بين الأمرين ولا مدافعة ، فوجب المصير إليهما معاً . صوناً للآية . والخبر عن الطعن بقدر الإمكان ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام . المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر وأبو عمر و * ( ذرياتهم ) * بالألف على الجمع والباقون * ( ذريتهم ) * على الواحد . قال الواحدي : الذرية تقع على الواحد والجمع . فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه وبوقوعه على الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله : * ( ما هذا بشراً ) * وعلى الجمع كقوله : * ( أبشر يهدوننا ) * ( التغابن : 6 ) وقوله : * ( إن أنتم إلا بشر مثلنا ) * وكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع قال : إن الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه ، وإن كان جميعاً فجمعه أيضاً حسن ، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت . نحو الطرقات والجدرات ، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى : * ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) * فنقول : أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها ، وأما على قول من أنكره قال : إنها محمولة على التمثيل ، والمعنى : أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها عقولهم ، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا وإقرارنا بوحدانيته ، أما قوله : * ( شهدنا ) * ففيه قولان : القول الأول : أنه من كلام الملائكة ، وذلك لأنهم لما قالوا * ( بلى ) * قال الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا ، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله : * ( قالوا بلى ) * لأن كلام الذرية قد انقطع ههنا وقوله : * ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) * تقريره : أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار ، لئلا يقولوا ما أقررنا ، فأسقط كلمة " لا " كما قال : * ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) * ( النحل : 15 ) يريد لئلا تميد بكم ، هذا قول الكوفيين ، وعند البصريين تقريره : شهدنا كراهة أن يقولوا . والقول الثاني : أن قوله : * ( شهدنا ) * من بقية كلام الذرية ، وعلى هذا التقرير ، فقوله : * ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) * متعلق بقوله : * ( وأشهدهم على أنفسهم ) * والتقدير : وأشهدهم على أنفسهم ، بكذا وكذا ، لئلا يقولوا يوم القيامة * ( إنا كنا عن هذا غافلين ) * أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير ، فلا يجوز الوقف عند قوله : * ( شهدنا ) * لأن قوله : * ( أن يقولوا ) * متعلق بما قبله وهو قوله : * ( وأشهدهم ) * فلم يجز قطعه منه . واختلف القراء في قوله : * ( أن يقولوا ) * أو تقولوا : فقرأ أبو عمرو بالياء جميعاً ، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله : * ( من بني آدم من ظهورهم - وأشهدهم على أنفسهم ) لئلا يقولوا وقرأ الباقون بالتاء ، لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله : * ( ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) * وكلا الوجهين حسن ، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى .