فخر الدين الرازي
42
تفسير الرازي
على لزوم الذل والصغار لليهود بقوله تعالى : * ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله ) * ( آل عمران : 112 ) إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم في كل الأحوال . أما الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد ولا استثناء ، فكانت دلالتها على هذا المعنى قوية جداً . واختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء اليهود من هم ، فقال بعضهم : الرسول وأمته وقيل يحتمل دخول الولاة الظلمة منهم ، وإن لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم . وهذا القائل حمل قوله : * ( ليبعثن ) * على نحو قوله : * ( إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) * ( مريم : 83 ) فإذا جاز أن يكون المراد بالإرسال التخلية ، وترك المنع ، فكذلك البعثة ، وهذا القائل . قال : المراد بختنصر وغيره إلى هذا اليوم ، ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله : * ( إن ربك لسريع العقاب ) * والمراد التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا * ( وإنه لغفور رحيم ) * لمن تاب من الكفر واليهودية ، ودخل في الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم . * ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الاَْرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * . واعلم أن قوله : * ( وقطعناهم ) * أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله : * ( ليبعثن عليهم ) * ( الأعراف : 167 ) المراد جملة اليهود ، ومعنى * ( قطعناهم ) * أي فرقناهم تفريقاً شديداً . فلذلك قال بعده : * ( في الأرض أمماً ) * وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة ، وهذا هو الغالب من حال اليهود ، ومعنى قطعناهم ، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم . ثم قال : * ( منهم الصالحون ) * قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق . وقال ابن عباس ومجاهد : يريد الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وقوله : * ( ومنهم دون ذلك ) * أي ومنهم قوم دون ذلك ، والمراد من أقام على اليهودية . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله : * ( ومنهم دون ذلك ) * من يكون صالحاً إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب . قلنا : أن قوله بعد ذلك : * ( لعلهم يرجعون ) * يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح .