فخر الدين الرازي
38
تفسير الرازي
مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) * . اعلم أن قوله : * ( وإذ قالت ) * معطوف على قوله : * ( إذ يعدون ) * وحكمه حكمه في الأعراب وقوله : * ( أمة منهم ) * أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم . وقوله : * ( لم تعظون قوماً الله مهلكهم ) * أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم * ( أو معذبهم عذاباً شديداً ) * لتماديهم في الشر ، وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفعهم وقوله : * ( قالوا معذرة إلى ربكم ) * فيه بحثان : البحث الأول : قرأ حفص عن عاصم * ( معذرة ) * بالنصب والباقون بالرفع ، أما من نصب * ( معذرة ) * فقال الزجاج معناه : نعتذر معذرة ، وأما من رفع فالتقدير : هذه معذرة أو قولنا معذرة وهي خبر لهذا المحذوف . البحث الثاني : المعذرة مصدر كالعذر ، وقال أبو زيد : عذرته أعذره عذراً ومعذرة ، ومعنى عذره في اللغة أي قام بعذره ، وقيل : عذره ، يقال : من يعذرني أي يقوم بعذري ، وعذرت فلاناً فيما صنع أي قمت بعذره ، فعلى هذا معنى قوله : * ( معذرة إلى ربكم ) * أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى ، فإنا إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر . قلنا : قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ، وقال الأزهري : المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار . كأنهم قالوا : موعظتنا اعتذار إلى ربنا . فأقيم الاسم مقام الاعتذار ، ويقال : اعتذر فلان اعتذاراً وعذراً ومعذرة من ذنبه فعذرته ، وقوله : * ( ولعلهم يتقون ) * أي وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية قولان : القول الأول : أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب ومنهم من لم يفعل ذلك ، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين : منهم من وعظ الفرقة المذنبة ، وزجرهم عن ذلك الفعل ، ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ ، وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم : لم تعظوهم ، مع العلم بأن