فخر الدين الرازي
4
تفسير الرازي
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله : * ( بغير الحق ) * لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق ، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل ، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة . أما قوله تعالى : * ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً ) * ففيه مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : * ( الرشد ) * بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين . وفرق أبو عمرو بينهما فقال : * ( الرشد ) * بضم الراء الصلاح لقوله تعالى : * ( فإن آنستم منهم رشداً ) * ( النساء : 6 ) أي صلاحاً ، و * ( الرشد ) * بفتحهما الاستقامة في الدين . قال تعالى : * ( مما علمت رشداً ) * ( الكهف : 66 ) وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد ، مثل الحزن والحزن ، والسقم والقسم ، وقيل : * ( الرشد ) * بالضم الاسم ، وبالفتحتين المصدر . البحث الثاني : * ( سبيل الرشد ) * عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و * ( سبيل الغي ) * ما يكون مضاداً لذلك ، ثم بيّن تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين : أحدهما : كونهم مكذبين بآيات الله . والثاني : كونهم غافلين عنها ، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها . والله أعلم . قوله تعالى ( والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) . اعلم أنه تعالى لما ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته بقوله ( ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) بين حال أولئك المكذبين ، فقد كان يجوز أن يظن أنهم يختلفون في باب العقاب لان فيهم من يعمل بعض أعمال البر ، فبين تعالى حال جميعهم سواء كان متكبرا أو متواضعا أو كان قليل الاحسان ، أو كان كثير الاحسان ، فقال ( والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ) يعنى بذلك جحدهم للميعاد وجراءتهم على المعاصي ، فبين تعالى أن أعمالهم محبطة ، والكلام في حقيقة الاحباط قد تقدم في سورة البقرة على الاستقصاء فلا فائدة في الإعادة . ثم قال تعالى ( هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) وفيه حذف والتقدير : هل يجزون إلا بما كانوا يعملون ؟ أو على ما كانوا يعملون . احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد قول أبى هاشم في أن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد أن لا يفعل الواجب ، وإن لم يصدر منه فعل عند ذلك الواجب قالوا : هذه الآية تدل على أنه لاجزاء إلا على العمل ، وليس ترك الواجب يعمل ، فوجب أن لا يجازى