فخر الدين الرازي

216

تفسير الرازي

كذا " وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً . فتوفي صلى الله عليه وسلم ولم يبين موضعها ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقرن بينهما . قال القاضي يبعد أن يقال : إنه عليه السلام لم يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال ، لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل ، ولو جوزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي ، لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السور الواحدة ، وتجويزه يطرف ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن . وذلك يخرجه من كونه حجة ، بل الصحيح أنه عليه السلام أمر بوضع هذه السورة ، بعد سورة الأنفال وحياً ، وأنه عليه السلام حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحياً . الوجه الثاني : في هذا الباب ما يروى عن أبي بن كعب أنه قال : إنما توهموا ذلك ، لأن في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود . فوضعت إحداهما بجنب الأخرى والسؤال المذكور عائد ههنا ، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة . والوجه الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة التوبة سورة واحدة أم سورتان ؟ فقال بعضهم : هما سورة واحدة لأن كلتيهما نزلت في القتال ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال وهي سبع ، وما بعدها المئون . وهذا قول ظاهر لأنهما معاً ومائتان وست آيات ، فهما بمنزلة سورة واحدة . ومنهم من قال هما سورتان ، فلما ظهر الاختلاف بين الصحابة في هذا الباب تركوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول هما سورتان ، وما كتبوا بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيهاً على قول من يقول هما سورة واحدة ، وعلى هذا القول لا يلزمنا تجويز مذهب الإمامية ، وذلك لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين ، وعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه كان حاصلاً ، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير ، وذلك يبطل قول الإمامية . الوجه الرابع : في هذا الباب : أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية ، ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله : * ( براءة من الله ورسوله ) * ( التوبة : 1 ) فلما كان هذا عين ذلك الكلام وتأكيداً له وتقريراً له ، لزم وقوع الفاصل بينهما ، فكان إيقاع الفصل بينهما تنبيهاً على كونهما سورتين متغايرتين ، وترك كتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيهاً على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى . الوجه الخامس : قال ابن عباس : سألت علياً رضي الله عنه : لم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود