فخر الدين الرازي

206

تفسير الرازي

قلنا : هكذا يجب أن يكون بحكم الآية ، إلا أنا لا نعلم من المخلص بقلبه . حتى يتوجه علينا فيه السؤال ، ولا نعلم أيضاً من الذي آتاه الله علماً ، وقد علمنا أن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر . ثم قال : * ( والله غفور رحيم ) * وهو تأكيد لما مضى ذكره من قوله : * ( ويغفر لكم ) * والمعنى : كيف لا يفي بوعده المغفرة وأنه غفور رحيم ؟ أما قوله : * ( وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذه الخيانة وجوه : الأول : أن المراد منه الخيانة في الدين وهو الكفر ، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل . الثاني : أن المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء . الثالث : روي أنه عليه السلام لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاهدة المشركين ، وهذا هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر ، فقال تعالى : * ( وإن يريدوا خيانتك ) * أي نكث هذا العهد فقد خانوا الله من قبل ، والمراد أنهم كانوا يقولون * ( لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) * ( يونس : 22 ) * ( ولئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين ) * ( الأعراف : 189 ) ثم إذا وصلوا إلى النعمة وتخلصوا من البلية نكثوا العهد ونقضوا الميثاق ، ولا يمنع دخول الكل فيه ، وإن كان الأظهر هو هذا الأخير . ثم قال تعالى : * ( فأمكن منهم ) * قال الأزهري : يقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن ومفعول الإمكان محذوف ، والمعنى : فأمكن المؤمنين منهم ، والمعنى أنهم خانوا الله بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر فأمكن الله منهم قتلاً وأسراً ، وذلك نهاية الإمكان والظفر . فنبه الله بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه ثم ، فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتاً حاصلاً ، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده . ثم قال : * ( والله عليم ) * أي ببواطنهم وضمائرهم * ( حكيم ) * يجازيهم بأعمالهم . * ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى