فخر الدين الرازي
203
تفسير الرازي
والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على هذه القبائح ، وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل . وأيضاً فلو صار كذلك ، فكيف آخذهم الله تعالى في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها ، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوي ؟ والقول الرابع : لولا كتاب من الله سبق في أن من أتى ذنباً بجهالة ، فإنه لا يؤاخذه به لمسهم العذاب ، وهذا من جنس ما سبق . واعلم أن الناس قد أكثروا فيه ، والمعتمد في هذا الباب أن نقول : أما على قولنا : فنقول : يجوز أن يعفو الله عن الكبائر . فقوله : * ( لولا كتاب من الله سبق ) * معناه لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم ، وهذا هو المراد من قوله : * ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) * ( الأنعام : 54 ) ومن قوله : " سبقت رحمتي غضبي " وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر ، فكان معناه * ( لولا كتاب من الله سبق ) * في أن من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم ، وهذا الحكم وإن كان ثابتاً في حق جميع المسلمين ، إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام ، وانقيادهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال : إن الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب ، فلا جرم صار هذا الذنب مغفوراً ، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفوراً ، فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص . ثم قال تعالى : * ( فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ) * روى أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها ، فنزلت هذه الآية . وقيل هو إباحة الفداء . فإن قيل : ما معنى الفاء في قوله : * ( فكلوا ) * . قلنا التقدير : قد أبحت لكم الغنائم * ( فكلوا مما غنمتم حلالاً ) * نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر ، أي أكلاً حلالاً * ( واتقوا الله إن الله غفور رحيم ) * والمعنى : واتقوا الله فلا تقدموا على المعاصي بعد ذلك ، واعلموا أن الله غفور ما أقدمتم عليه في الماضي من الزلة ، رحيم ما أتيتم من الجرم والمعصية ، فقوله : * ( واتقوا الله ) * إشارة إلى لمستقبل . وقوله : * ( إن الله غفور رحيم ) * إشارة إلى الحالة الماضية . * ( يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَن فِى أَيْدِيكُم مِّنَ الاَْسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً