فخر الدين الرازي

198

تفسير الرازي

أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا تخرجوا أحداً منهم إلا بفداء أو بضرب العنق " فقال ابن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد خوفي . ثم قال من بعد : " إلا سهيل بن بيضاء " وعن عبيدة السلماني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم : " إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم " فقالوا : بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد . وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية ، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً أو ستة دنانير . وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال : يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت ، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه - ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ . هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية . المسألة الثالثة : تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه : الوجه الأول : أن قوله تعالى : * ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) * صريح في أن هذا المعنى منهي عنه ، وممنوع من قبل الله تعالى . ثم إن هذا المعنى قد حصل ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى بعد هذه الآية : * ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ) * ( الأنفال : 70 ) الثاني : أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار ، بل أسرهم ، فكان الذنب لازماً من هذا الوجه . الوجه الثاني : أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله : * ( فاضربوا فوق الإعناق واضربوا منهم كل بنان ) * ( الأنفال : 12 ) وظاهر الأمر للوجوب ، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية . الوجه الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء ، وكان أخذ الفداء معصية ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى : * ( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) * وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا هو أخذ الفداء . والثاني : قوله تعالى : * ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) * وأجمعوا على أن المراد بقوله : * ( أخذتم ) * ذلك الفداء . الوجه الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا ، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء ، وذلك يدل على أنه ذنب . الوجه الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر " وذلك يدل على الذنب ، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية .