فخر الدين الرازي
196
تفسير الرازي
* ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً ) * قال : فإن معنى الآية : الآن علم الله أن فيكم ضعفاً وهذا يقتضي أن علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت . والمتكلمون أجابوا بأن معنى الآية : أنه تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حاصلاً واقعاً ، بل يعلم منه أنه سيحدث ، أما عند حدوثه ووقوعه فإن يعلمه حادثاً واقعاً ، فقوله : * ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً ) * معنا : أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله ، وقبل ذلك فقد كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع أو سيحدث . المسألة الثالثة : قرأ عاصم وحمزة * ( علم أن فيكم ضعفاً ) * بفتح الضاد وفي الروم مثله ، والباقون فيهما بالضم ، وهما لغتان صحيحتان ، الضعف والضعف كالمكث والمكث . وخالف حفص عاصماً في هذا الحرف وقرأهما بالضم وقال : ما خالفت عاصماً في شيء من القرآن إلا في هذا الحرف . المسألة الرابعة : الذي استقر حكم التكليف عليه بمقتضى هذه الآية أن كل مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء مشركين ، عبداً كان أو حراً فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل به ، فإن لم يبق معه سلاح فله أن ينهزم ، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمة والصبر أحسن . روى الواحدي في " البسيط " أنه وقف جيش موتة وهم ثلاثة آلاف وأمراؤهم على التعاقب زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة في مقابلة مائتي ألف من المشركين ، مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة وهم لخم وجذام . المسألة الخامسة : قوله : * ( بإذن الله ) * فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن الله . والإذن ههنا هو الإرادة . وذلك يدل على قولنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات . واعلم أنه تعالى ختم الآية بقوله : * ( والله مع الصابرين ) * والمراد ما ذكره في الآية الأولى من قوله : * ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) * ( الأنفال : 65 ) فبين في آخر هذه الآية أن الله مع الصابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا فإن نصرتي معهم وتوفيقي مقارن لهم ، وذلك يدل على صحة مذهب أبي مسلم وهو أن ذلك الحكم ما صار منسوخاً بل هو ثابت كما كان ، فإن العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين بقي ذلك الحكم ، وإن لم يقدروا على مصابرتهم فالحكم المذكور ههنا زائل . * ( مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الاَْرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ