فخر الدين الرازي

192

تفسير الرازي

من أنواع النصرة ما لا يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة ، ومنها ما يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة . فلهذا الفرق اعتبر نصرة المؤمنين ، ثم بين أنه تعالى وإن كان يكفيك بنصره وبنصر المؤمنين ، فليس من الواجب أن تتكل على ذلك إلا بشرط أن تحرض المؤمنين على القتال فإنه تعالى إنما يكفيك بالكفاية بشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة . فقال : * ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) * والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء ، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجهاً آخر بعيداً ، فقال : التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثاً يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضاً ، والحارض الذي قارب الهلاك ، أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا حارضين ، أي هالكين . فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض . ثم قال : * ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) * وليس المراد منه الخبر بل المراد الأمر كأنه قال : * ( إن يكن منكم عشرون ) * فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى * ( يغلبوا مائتين ) * والذي يدل على أنه ليس المراد من هذا الكلام الخبر وجوه : الأول : لو كان المراد منه الخبر ، لزم أن يقال : إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ، ومعلوم أنه باطل . الثاني : أنه قال * ( الآن خفف الله عنكم ) * ( الأنفال : 66 ) والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر . الثالث : قوله من بعد : * ( والله مع الصابرين ) * ( الأنفال : 66 ) وذلك ترغيباً في الثبات على الجهاد ، فثبت أن المراد من هذا الكلام هو الأمر وإن كان وارداً بلفظ الخبر ، وهو كقوله تعالى : * ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) * ( البقرة : 233 ) * ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ) * ( البقرة : 228 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( إن يكن منكم عشرون صابرون ) * يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قاهراً على ذلك ، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء ؛ منها : أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً ، ومنها : أن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان ، ومنها : أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزاً إلى فئة ، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة . واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى : * ( حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) * فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلاً لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه . المسألة الثانية : قوله : * ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة