فخر الدين الرازي

20

تفسير الرازي

يكون حصول الهداية والعلم بتخليق العبد ، وأما الكلام في إبطال تلك التأويلات فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة . والله أعلم . ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك : * ( أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) * واعلم أن قوله : * ( أنت ولينا ) * يفيد الحصر ، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت ، وهذا من تمام ما سبق ذكره من قوله : * ( تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) * وقوله : * ( فاغفر لنا وارحمنا ) * المراد منه أن إقدامه على قوله : * ( إن هي إلا فتنتك ) * جراءة عظيمة ، فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله : * ( وأنت خير الغافرين ) * معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلباً للثناء الجميل أو للثواب الجزيل ، أو دفعاً للربقة الخسيسة عن القلب ، وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر ، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض ، بل لمحض الفضل والكرم ، فوجب القطع بكونه * ( خير الغافرين ) * والله أعلم . * ( وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَْخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) * . اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلم عند مشاهدة الرجفة . فقوله : * ( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ) * معناه أنه قرر أولاً أنه الأولى له إلا الله تعالى وهو قوله : * ( أنت ولينا ) * ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران : أحدهما : دفع الضرر . والثاني : تحصيل النفع ، ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع ، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر ، وهو قوله : * ( فاغفر لنا وارحمنا ) * ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله : * ( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ) * وقوله : * ( واكتب ) * أي وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله : * ( ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ) * .