فخر الدين الرازي
187
تفسير الرازي
الحال كثير السلاح ، فكما يخافه أعداؤه من الكفار ، فكذلك يخافه كل من يعاديه مسلماً كان أو كافراً . ثم إنه تعالى قال : * ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ) * وهو عام في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات * ( يوف إليكم ) * قال ابن عباس : يوف لكم أجره ، أي لا يضيع في الآخرة أجره ، ويعجل الله عوضه في الدنيا * ( وأنتم لا تظلمون ) * أي لا تنقصون من الثواب ، ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوله تعالى : * ( آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً ) * ( الكهف : 33 ) . * ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * . واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار ، بين بعده أنهم عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح ، فالحكم قبول الصلح . قال النضر : جنح الرجل إلى فلان ، وأجنح له إذا تابعه وخضع له ، والمعنى : إن مالوا إلى الصلح فمل إليه وأنث الهاء في لها ، لأنه قصد بها قصد الفعلة والجنحة كقوله : * ( إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) * أراد من بعد فعلتهم . قال صاحب " الكشاف " : السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب . قال الشاعر : السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب تكفيك من أنفاسها جرع وقرأ أبو بكر عن عاصم للسلم بكسر السين ، والباقون بالفتح وهما لغتان . قال قتادة هذه الآية منسوخة بقوله : * ( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * ( التوبة : 5 ) وقوله : * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) * ( التوبة : 29 ) وقال بعضهم الآية غير منسوخة لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه ، فإذا رأى مصالحتهم فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة ، وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين ، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة . أما قوله تعالى : * ( وتوكل على الله ) * فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة ، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء ، ولذلك قال : * ( إنه هو السميع العليم ) * تنبيهاً بذلك على الزجر عن نقض الصلح ، لأنه عالم بما يضمره العباد ، وسامع لما