فخر الدين الرازي
182
تفسير الرازي
إنما هلكهم بسبب ظلمهم ، وأقول في هذا المقام اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم فقد عظمت فتنتهم وكثر شرهم ، ولا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت ، فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم . * ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما وصف كل الكفار بقوله : * ( وكل كانوا ظالمين ) * أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد . فقال : * ( إن شر الدواب عند الله ) * أي في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان : الصفة الأولى : الكافر الذي يكون مستمراً على كفره مصراً عليه لا يتغير عنه البتة . الصفة الثانية : أن يكون ناقضاً للعهد على الدوام فقوله : * ( الذين عاهدت منهم ) * بدل من قوله : * ( الذين كفروا ) * أي الذين عاهدت من الذين كفروا وهم شر الدواب وقوله : * ( منهم ) * لتبعيض فإن المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم وقوله : * ( ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ) * قال أهل المعاني إنما عطف المستقبل على الماضي ، لبيان أن من شأنهم نقض العهد مرة بعد مرة . قال ابن عباس : هم قريظة فإنهم نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر ، ثم قالوا : أخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضاً يوم الخندق ، وقوله : * ( وهم لا يتقون ) * معناه أن عادة من رجع إلى عقل وحزم أن يتقي نقض العهد حتى يسكن الناس إلى قوله ويثقوا بكلامه ، فبين تعالى أن من جمع بين الكفر الدائم وبين نقض العهد على هذا الوجه كان شر الدواب . * ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ) * . اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله إلى الرفق واللطف في آيات كثيرة . منها قوله : * ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) * ( الأنبياء : 107 ) ومنها قوله : * ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) * ( آل عمران : 159 ) وتارة يرشد إلى التغليظ