فخر الدين الرازي

178

تفسير الرازي

من هذا الجسد ، وهذا برهان ظاهر على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد ، وقوله : * ( يضربون وجوههم وأدبارهم ) * قال ابن عباس : كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف ، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم ، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح ، وأقول فيه معنى آخر ألطف منه ، وهو أن روح الكافر إذا خرج من جسده فهو معرض عن عالم الدنيا مقبل على الآخرة ، وهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلا الظلمات ، وهو لشدة حبه للجسمانيات ، ومفارقته لها لا ينال من مباعدته عنها إلا الآلام والحسرات ، فسبب مفارقته لعالم الدنيا تحصل له الآلام بعد الآلام والحسرات ، وبسبب إقباله على الآخرة مع عدم النور والمعرفة ، ينتقل من ظلمات إلى ظلمات ، فهاتان الجهتان هما المراد من قوله : * ( يضربون وجوههم وأدبارهم ) * . ثم قال تعالى : * ( وذوقوا عذاب الحريق ) * وفيه إضمار ، والتقدير : ونقول ذوقوا عذاب الحريق ونظيره في القرآن كثير قال تعالى : * ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ) * ( البقرة : 127 ) أي ويقولان ربنا ، وكذا قوله تعالى : * ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا ) * ( السجدة : 12 ) أي يقولون ربنا . قال ابن عباس : قول الملائكة لهم : * ( وذوقوا عذاب الحريق ) * إنما صح لأنه كان مع الملائكة مقامع ، وكلما ضربوا بها التهبت النار في الأجزاء والأبعاض ، فذاك قوله : * ( وذوقوا عذاب الحريق ) * قال الواحدي : والصحيح أن هذا تقوله الملائكة لهم في الآخرة . وأقول : أما العذاب الجسماني فحق وصدق . وأما الروحاني فحق أيضاً لدلالة العقل عليه ، وذلك لأنا بينا أن الجاهل إذا فارق الدنيا حصل له الحزن الشديد بسبب مفارقة الدنيا المحبوبة ، والخوف الشديد بسبب تراكم الظلمات عليه في عالم الخوف والحزن . والخوف والحزن كلاهما يوجبان الحرقة الروحانية ، والنار الروحانية . ثم قال تعالى : * ( ذلك بما قدمت أيديكم ) * قيل هذا إخبار عن قول الملائكة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : يجوز أن يقال ذلك مبتدأ ، وخبره قوله : * ( بما قدمت أيديكم ) * ويجوز أن يكون محل ذلك نصباً ، والتقدير : فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم . المسألة الثانية : المراد من قوله : * ( ذلك ) * هذا أي هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق ، حصل بسبب ما قدمت أيديكم ، وذكرنا في قوله : * ( ألم ذلك الكتاب ) * أن معناه هذا الكتاب وهذا المعنى جائز . المسألة الثالثة : ظاهر قوله : * ( ذلك بما قدمت ) * يقتضي أن فاعل هذا الفعل هو اليد ، وذلك