فخر الدين الرازي
18
تفسير الرازي
فعل السفهاء منا ) * علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية . الثالث : أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام والرؤية أنه خر موسى صعقاً وأنه جعل الجبل دكاً ، وأما الميقات المذكور في هذه الآية ، فإن الله تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة ، ولم يذكر أن موسى عليه السلام أخذته الرجفة ، وكيف يقال أخذته الرجفة ، وهو الذي قال لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ؟ واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر . واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى : * ( ولما جاء موسى لميقاتنا ) * ( الأعراف : 143 ) فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات ، فلما قال في هذه الآية : * ( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ) * وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات . وجوابه : أن هذا الدليل ضعيف ، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى . والله أعلم . والوجه الثالث : في تفسير هذا الميقات ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن موسى وهارون عليهما السلام انطلقا إلى سفح جبل ، فنام هارون فتوفاه الله تعالى ، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذي قتل هارون ، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً وذهبوا إلى هارون فأحياه الله تعالى وقال ما قتلني أحد ، فأخذتهم الرجفة هنالك ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . والله أعلم . المسألة الخامسة : اختلفوا في تلك الرجفة فقيل : إنها رجفة أوجبت الموت . قال السدي : قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ولم يبق معي منهم واحد ؟ فماذا أقول لبني إسرائيل وكيف يأمنوني على أحد منهم بعد ذلك ؟ فأحياهم الله تعالى . فمعنى قوله : * ( لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ) * أن موسى عليه السلام خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم ولم يصدقوا أنهم ماتوا ، فقال لربه : لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات ، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني . والقول الثاني : أن تلك الرجفة ما كانت موتاً ، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم ، وتنقصم ظهورهم ، وخاف موسى عليه السلام الموت ، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة . أما قوله : * ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) * فقال أهل العلم : إنه لا يجوز أن يظن موسى عليه السلام أن الله تعالى يهلك قوماً بذنوب غيرهم ، فيجب تأويل الآية ، وفيه بحثان : الأول : أنه