فخر الدين الرازي

161

تفسير الرازي

أربعين أوقية والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً ، هكذا قاله صاحب " الكشاف " . ثم بين تعالى أنهم إنما ينفقون هذا المال ليصدوا عن سبيل الله ، أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله ، وإن لم يكن عندهم كذلك . ثم قال : * ( فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ) * يعني : أنه سيقع هذا الإنفاق ويكون عاقبته الحسرة ، لأنه يذهب المال ولا يحصل المقصود ، بل يصيرون مغلوبين في آخر الأمر كما قال تعالى : * ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) * ( المجادلة : 21 ) وقوله : * ( والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) * ففيه بحثان : البحث الأول : أنه لم يقل : وإلى جهنم يحشرون ، لأنه كان فيهم من أسلم ، بل ذكر أن الذين بقوا على الكفر يكونون كذلك . البحث الثاني : أن ظاهر قوله : * ( إلى جهنم يحشرون ) * يفيد أنه لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم ، لأن تقديم الخبر يفيد الحصر . واعلم أن المقصود من هذا الكلام أنهم لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في تلك الانفاقات إلا الحسرة والخيبة في الدنيا ، والعذاب الشديد في الآخرة ، وذلك يوجب الزجر العظيم عن ذلك الإنفاق ، ثم قال : * ( ليميز الله الخبيث من الطيب ) * وفيه قولان : القول الأول : ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً وهو عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا كقوله تعالى : * ( كادوا يكونون عليه لبدا ) * ( الجن : 19 ) يعني لفرط ازدحامهم فقوله : * ( أولئك ) * إشارة إلى الفريق الخبيث . والقول الثاني : المراد بالخبيث نفقة الكافر على عداوة محمد ، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار ، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها كقوله تعالى : * ( فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) * ( التوبة : 35 ) واللام في قوله : * ( ليميز الله الخبيث ) * على القول الأول متعلق بقوله : * ( يحشرون ) * والمعنى أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب ، وعلى القول الثاني متعلق بقوله : * ( ثم تكون عليهم حسرة ) * ثم قال : * ( أولئك هم الخاسرون ) * وهو إشارة إلى الذين كفروا . * ( قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الاَْوَّلِينِ ) * .