فخر الدين الرازي
152
تفسير الرازي
أمانة في يد المودع ، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس ، إذ الخيانة ضد الأمانة ، قال : ويحتمل أن يريد بالأمانة كل ما تعبد به ، وعلى هذا التقدير : فيدخل فيه الغنيمة وغيرها ، فكان معنى الآية : إيجاب أداء التكاليف بأسرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال . وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية ، فهي داخلة فيها ، لكن لا يجب قصر الآية عليها ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : معنى الخون النقص . كما أن معنى الوفاء التمام . ومنه تخونه إذا انتقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء . لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه . المسألة الثالثة : في قوله : * ( وتخونوا أماناتكم ) * وجوه : الأول : التقدير * ( ولا تخونوا أماناتكم ) * والدليل عليه ما روي في حرف عبد الله * ( ولا تخونوا أماناتكم ) * الثاني : التقدير : لا تخونوا الله والرسول ، فإنكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم ، والعرب قد تذكر الجواب تارة بالفاء ، وأخرى بالواو ، ومنهم من أنكر ذلك . وأما قوله تعالى : * ( وأنتم تعلمون ) * فيه وجوه : الأول : وأنتم تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو . الثاني : وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح ، وحسن الحسن ، ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد . نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب . فقال : * ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) * لأنها تشغل القلب بالدنيا ، وتصير حجاباً عن خدمة المولى . ثم قال : * ( وأن الله عنده أجر عظيم ) * تنبيهاً على أن سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا لأنها أعظم في الشرف ، وأعظم في الفوز ، وأعظم في المدة ، لأنها تبقى بقاء لا نهاية له ، فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده بالعظم . ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله ، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد ويوجب الحاجة إلى المال ، وذلك فتنة ، ومعلوم أن ما أفضى إلى الأجر العظيم عند الله ، فالاشتغال به خير مما أفضى إلى الفتنة .