فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
اللفظ . وتحقيق الكلام فيه أن نقول : إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل والترك ، وصالحة للفعل ولضده ، وما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدراً لأحد الجانبين دون الثاني ، وإلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح ، وهو محال ، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعاً زائداً وصلاحاً راجحاً ، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده . فعند حصول هذا الاعتقاد في القلب يصير الفعل راجحاً على الترك ، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيراً من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلاً ، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفاً على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً من تركه ، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلاً اختيارياً . والله أعلم . فإن قيل : إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور . فنقول : إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل ، والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيراً لا شراً . وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . والله أعلم . المسألة الثانية : قال جماعة النحويين : معناه واختار موسى من قومه سبعين . فحذفت كلمة " من " ووصل الفعل فنسب ، يقال : اخترت من الرجال زيداً واخترت الرجال زيداً ، وأنشدوا قول الفرزدق : ومنا الذي اختار الرجال سماحة * وجوداً إذا هب الرياح الزعازع قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني ، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر : أستغفر الله ذنباً لست أحصيه ويقال أمرت زيداً بالخير وأمرت زيداً الخير قال الشاعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به . والله أعلم . وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله : * ( سبعين رجلاً ) * عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات . المسألة الثالثة : ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة ، فصاروا اثنين وسبعين ، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا ، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر