فخر الدين الرازي
143
تفسير الرازي
وأما قوله : * ( وأن الله مع المؤمنين ) * فقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم * ( وأن الله ) * بفتح الألف في أن والباقون بكسرها . أما الفتح فقيل : على تقدير ، ولأن الله مع المؤمنين ، وقيل هو معطوف على قوله : * ( إن الله موهن كيد الكافرين ) * وأما الكسر فعلى الابتداء . والله أعلم . * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما خاطب المؤمنين بقوله : * ( إن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ) * ( الأنفال : 19 ) أتبعه بتأديبهم فقال : * ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ) * ولم يبين أنهم ماذا يسمعون إلا أن الكلام من أول السورة إلى هنا لما كان واقعاً في الجهاد علم أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد ، ثم إن الجهاد اشتمل على أمرين : أحدهما : المخاطرة بالنفس . والثاني : الفوز بالأموال ، ولما كانت المخاطرة بالنفس شاقة شديدة على كل أحد ، وكان ترك المال بعد القدرة على أخذه شاقاً شديداً ، لا جرم بالغ الله تعالى في التأديب في هذا الباب فقال : * ( أطيعوا الله ورسوله ) * في الإجابة إلى الجهاد ، وفي الإجابة إلى تركه المال إذا أمره الله بتركه والمقصود تقرير ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى : * ( قل الأنفال لله والرسول ) * ( الأنفال : 1 ) . فإن قيل : فلم قال ولا تولوا عنه فجعل الكناية واحدة مع أنه تقدم ذكر الله ورسوله . قلنا : إنه تعالى أمر بطاعة الله وبطاعة رسوله . ثم قال : * ( ولا تولوا ) * لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد . ثم قال مؤكداً لذلك : * ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) * والمعنى : أن الإنسان