فخر الدين الرازي
138
تفسير الرازي
والحاصل أن الانهزام من العدو حرام إلا في هاتين الحالتين . ثم إنه تعالى قال : * ( ومن يولهم يومئذ دبره ) * إلا في هاتين الحالتين ، فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير . المسألة الثانية : احتج القاضي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة ، وذلك لأن الآية دلت على أن من انهزم إلا في هاتين الحالتين استوجب غضب الله ونار جهنم . قال وليس للمرجئة أن يحملوا هذه الآية على الكفار دون أهل الصلاة ، كصنعهم في سائر آيات الوعيد ، لأن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة . واعلم أن هذه المسألة قد ذكرناها على الاستقصاء في سورة البقرة ، وذكرنا أن الاستدلال بهذه الظواهر لا يفيد إلا الظن ، وقد ذكرنا أيضاً أنها معارضة بعمومات الوعد ، وذكرنا أن الترجيح بجانب عمومات الوعد من الوجوه الكثيرة ، فلا فائدة في الإعادة . المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في أن هذا الحكم هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإطلاق ، فنقل عن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر ، قالوا : والسبب في اختصاص يوم بدر بهذا الحكم أمور : أحدها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضراً يوم بدر ومع حضوره لا يعد غيره فيه ، أما لأجل أنه لا يساوي به سائر الفئات . بل هو أشرف وأعلى من الكل ، وأما لأجل أن الله تعالى وعده بالنصر والظفر فلم يكن لهم التحيز إلى فئة أخرى . وثانيها : أنه تعالى شدد الأمر على أهل بدر ، لأنه كان أول الجهاد ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه ، لزم منه الخلل العظيم ، فلهذا وجب عليهم التشدد والمبالغة ، ولهذا السبب منع الله في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى . والقول الثاني : أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاماً في جميع الحروب ، بدليل أن قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ) * عام فيتناول جميع السور ، أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن جواز التحيز إلى فئة هل يحظر إذا كان العسكر عظيماً أو إنما يثبت إذا كان في العسكر خفة ؟ قال بعضهم : إذا عظم العسكر فليس لهم هذا التحيز . وقال بعضهم : بل الكل سواء ، وهذا أليق بالظاهر لأنه لم يفصل .