فخر الدين الرازي

136

تفسير الرازي

الله ورسوله ) * والمعنى : أنه تعالى ألقاهم في الخزي والنكال من هذه الوجوه الكثيرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله . قال الزجاج : * ( شاقوا ) * جانبوا ، وصاروا في شق غير شق المؤمنين ، والشق الجانب * ( وشاقوا الله ) * مجاز ، والمعنى : شاقوا أولياء الله ، ودين الله . ثم قال : * ( ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) * يعني أن هذا الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء قليل مما أعده الله لهم من العقاب في القيامة ، والمقصود منه الزجر عن الكفر والتهديد عليه . * ( ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الزجاج : * ( ذلكم ) * رفع لكونه خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير : الأمر ذلكم فذوقوه ، ولا يجوز أن يكون * ( ذلكم ) * ابتداء ، وقوله : * ( فذوقوه ) * خبر ، لأن ما بعد الفاء لا يكون خبراً للمبتدأ ، إلا أن يكون المبتدأ اسماً موصولاً أو نكرة موصوفة ، نحو : الذي يأتيني فله درهم ، وكل رجل في الدار فمكرم . أما أن يقال : زيد فمنطلق ، فلا يجوز إلا أن نجعل زيداً خبراً لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هذا زيد فمنطلق ، أي فهو منطلق . المسألة الثانية : أنه تعالى لما بين أن من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ، بين من بعد ذلك صفة عقابه ، وأنه قد يكون معجلاً في الدنيا ، وقد يكون مؤجلاً في الآخرة ، ونبه بقوله : * ( ذلكم فذوقوه ) * وهو المعجل من القتل والأسر على أن ذلك يسير بالإضافة إلى المؤجل لهم في الآخرة ، فلذلك سماه ذوقاً ، لأن الذوق لا يكون إلا تعرف طعم اليسير ليعرف به حال الكثير ، فعاجل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا كالذوق القليل بالنسبة إلى الأمر العظيم المعد لهم في الآخرة ، وقوله : * ( فذوقوه ) * يدل على أن الذوق يحصل بطريق آخر سوى إدراك الطعوم المخصوصة ، وهي كقوله تعالى : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * ( الدخان : 49 ) وكان عليه السلام يقول : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " فهذا يدل على إثبات الذوق والأكل والشرب بطريق روحاني مغاير للطريق الجسماني .