فخر الدين الرازي
14
تفسير الرازي
* ( وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الاَْلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : * ( سكت عن موسى الغضب ) * أقوال : القول الأول : أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان يقويه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا وكذا ، وألق الألواح وخذ برأس أخيك إليك ، فلما زال الغضب ، صار كأنه سكت . والقول الثاني : وهو قول عكرمة ، أن المعنى : سكت موسى عن الغضب وقلب كما قالوا : أدخلت القلنسوة في رأسي ، والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة . القول الثالث : المراد بالسكوت السكون والزوال ، وعلى هذا جاز * ( سكت عن موسى الغضب ) * ولا يجوز صمت لأن * ( سكت ) * بمعنى سكن ، وأما صمت فمعناه سد فاه عن الكلام ، وذلك لا يجوز في الغضب . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه هارون لم يقع منه تقصير وظهر له صحة عذره ، فعند ذلك سكن غضبه . وهو الوقت الذي قال فيه : * ( رب اغفر لي ولأخي ) * ( الأعراف : 151 ) وكما دعا لأخيه منبهاً بذلك على زوال غضبه ، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما فعله من الأمرين ، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه . المسألة الثالثة : قوله : * ( أخذ الألواح ) * المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى : * ( وألقى الألواح ) * ( الأعراف : 15 ) وظاهر هذا يدل على أن شيئاً منها لم ينكسر ولم يبطل ، وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك وقوله : * ( وفي نسختها ) * النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا كتبت كتاباً عن كتاب حرفاً بعد حرف . قلت : نسخت ذلك الكتاب ، كأنك نقلت ما في الأصل