فخر الدين الرازي

117

تفسير الرازي

الله ورسوله ) * ثم بالغ في هذا التأكيد فقال : * ( إن كنتم مؤمنين ) * والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة ، فاحذروا الخروج عنها ، واحتج من قال : ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية ، وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وههنا الإيمان معلق على الطاعة بكلمة * ( إن ) * فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى : * ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) * ( النساء : 31 ) والله أعلم . * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) * . اعلم أنه تعالى لما قال : * ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) * واقتضى ذلك كون الإيمان مستلزماً للطاعة ، شرح ذلك في هذه الآية مزيد شرح وتفصيل ، وبين أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول هذه الطاعات فقال : * ( إنما المؤمنون ) * الآية . واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول أمور خمسة : الأول : قوله : * ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) * قال الواحدي يقال : وجل يوجل وجلاً ، فهو وجل ، وأوجل إذا خاف . قال الشاعر : لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمناً إذا كان خائفاً من الله ، ونظيره قوله تعالى : * ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) * ( الزمر : 23 ) وقوله : * ( الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) * ( المؤمنون : 57 ) وقوله : * ( الذين هم في صلاتهم خاشعون ) * ( المؤمنون : 2 ) وقال أصحاب الحقائق : الخوف على قسمين : خوف العقاب ، وخوف العظمة والجلال . أما خوف العقاب فهو للعصاة . وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين ، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً ، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات