فخر الدين الرازي

114

تفسير الرازي

وأما البحث الثاني : وهو أن المسؤول من كان ؟ فلا شك أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم . وأما البحث الثالث : وهو أن الأنفال ما هي فنقول : قال الزهري : النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل ، وسميت الغنائم أنفالاً ، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم ، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل . وقال تعالى : * ( ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة ) * ( الأنبياء : 72 ) أي زيادة على ما سأل . وأما البحث الرابع : وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان ؟ فنقول : فيه وجهان : الأول : لفظ السؤال ، وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن السؤال كان واقعاً عن ذلك المعين ، ونظيره قوله تعالى : * ( ويسألونك عن المحيض ) * ( البقرة : 222 ) * ( ويسألونك عن اليتامى ) * ( البقرة : 220 ) فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى ، وذلك الحكم غير معين ، إلا أن الجواب كان معيناً لأنه تعالى قال في المحيض : * ( قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) * ( البقرة : 222 ) فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان سؤالاً عن مخالطة النساء في المحيض . وقال في اليتامى : * ( قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ) * ( البقرة : 220 ) فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعاً عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة . وأيضاً قال تعالى : * ( ويسألونك عن الروح ) * ( الإسراء : 85 ) وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب : * ( قل الروح من أمر ربي ) * فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثاً أو قديماً ، فكذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال : * ( قل الأنفال لله والرسول ) * دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها . والقول الثاني : أن قوله : * ( يسألونك عن الأنفال ) * أي من الأنفال ، والمراد من هذا السؤال : الاستعطاء على ما روي في الخبر ، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا ، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة . وقرأ عبد الله * ( يسألونك الأنفال ) * . والبحث الخامس : وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال . فنقول : إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : * ( قل الأنفال لله والرسول ) * يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها : قوله : * ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) * يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم . وثالثها : أن قوله : * ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) * يدل على ذلك . إذا عرفت هذا فنقول : يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم ، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً ؛ ويحتمل أن يكون المراد غيرها .