فخر الدين الرازي

111

تفسير الرازي

الوجه الأول : أنه تعالى قال : * ( وهو معكم ) * ولا شك أن هذه المعية بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا ههنا ، وأيضاً جاء في الأخبار الربانية أنه تعالى قال : " أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي " ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة ، فكذا ههنا . والوجه الثاني : إن المراد القرب بالشرف . يقال : للوزير قربة عظيمة من الأمير ، وليس المراد منه القرب بالجهة ، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير ، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة . والوجه الثالث : أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات . والوجه الرابع : إنما قال تعالى في صفة الملائكة : * ( الذين عند ربك ) * لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال : إن عند الخليفة جيشاً عظيماً ، وإن كانوا متفرقين في البلد ، فكذا ههنا . والله أعلم . المسألة الثانية : تمسك أبو بكر الأصم رحمه الله بهذه الآية في إثبات أن الملائكة أفضل من البشر ، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال : * ( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ) * والمعنى فأنت أولى وأحق بالعبادة ، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل منه . المسألة الرابعة : ذكر من طاعاتهم أولاً كونهم يسبحون ، وقد عرفت أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى من كل سوء ، وذلك يرجع إلى المعارف والعلوم ، ثم لما ذكر التسبيح أردفه بذكر السجود ، وذلك يرجع إلى أعمال الجوارح ، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ، ويتفرع عليها أعمال الجوارح . وأيضاً قوله : * ( وله يسجدون ) * يفيد الحصر ومعناه : أنهم لا يسجدون لغير الله . فإن قيل : فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * ( الحجر : 30 ص : 73 ) والمراد أنهم سجدوا لآدم ؟ والجواب : قال الشيخ الغزالي : الذين سجدوا لآدم ملائكة الأرض . فأما عظماء ملائكة السماوات فلا . وقيل أيضاً : إن قوله : * ( وله يسجدون ) * يفيدون أنهم ما سجدوا لغير الله ، فهذا يفيد العموم . وقوله : فسجدوا لآدم خاص ، والخاص مقدم على العام .