فخر الدين الرازي
109
تفسير الرازي
أي غدوها للسير ، ثم سمى وقت الغدو غدواً ، كما يقال : دنا الصباح أي وقته ، ودنا المساء أي وقته . القول الثاني : أن يكون الغدو جمع غدوة ، قال الليث : الغدو جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة ، وأما * ( الآصال ) * فقال الفراء : واحدها أصل وواحد الأصل الأصيل . قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال ، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل واليوم بليلته ، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني ، فسمى آخر النهار أصيلاً ، لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني . المسألة الثانية : خص الغدو والآصال بهذا الذكر ، والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة ، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية . وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت ، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة ، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية ، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر . ومن الناس من قال : ذكر هذين الوقتين والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان . عن ابن عباس أنه قال في قوله : * ( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ) * ( الأعراف : 191 ) لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام . والقيد السادس : قوله تعالى : * ( ولا تكن من الغافلين ) * والمعنى أن قوله : * ( بالغدو والآصال ) * دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلاً في كل الأوقات وقوله : * ( ولا تكن من الغافلين ) * يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائماً ، وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية والقوة الإنسانية ، وتحقيق القول ، أن بين الروح وبين البدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر إلى البدن ، وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج إلى الروح ، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس سنه ، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه ، فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن ، وأيضاً إذا واظب الإنسان على عمل من الأعمال وكرر مرات وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس فهذه آثار صعدت من البدن إلى النفس . إذا عرفت هذا فنقول : إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه ، حصل أثر من ذلك الذكر