أبي الفرج الأصفهاني
288
الأغاني
هشام يضيق به ذرعا فيقرعه : وقال المدائنيّ ؛ قال خالد في خطبته : واللَّه ما إمارة العراق ممّا يشرفني ، فبلغ ذلك هشاما ، فغاظه جدّا ، وكتب إليه : بلغني يا بن النّصرانية أنك تقول : إن إمارة العراق ليست مما يشرفك ، صدقت واللَّه ، ما شيء يشرفك ، وكيف تشرف وأنت دعيّ إلى بجيلة القبيلة القليلة الذليلة ، أما واللَّه إني لأظنّ أن أول ما يأتيك ضغن من قيس [ 1 ] ، فيشد يديك إلى عنقك . هشام ينكل به تنكيلا وقال المدائني : حدثني شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان بن الأهتم / قال : لم تزل أفعال خالد به [ 2 ] ، حتى عزله هشام ، وعذّبه ، وقتل ابنه يزيد بن خالد ، فرأيت في رجله شريطا قد شدّ به ، والصبيان يجرونه ، فدخلت إلى هشام يوما ، فحدثته ، وأطلت ، فتنفس . ثم قال : يا خالد ، ربّ خالد كان أحبّ إليّ قربا ، وألذّ عندي حديثا منك ، قال : يعني خالدا القسري ، فانتهزتها ، ورجوت أن أشفع له فتكون لي عند خالد يد ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، فما يمنعك من استئناف الصنيعة عنده ؟ فقد أدّبته بما فرط منه ، فقال : هيهات ، إن خالدا أوجف [ 3 ] فأعجف ، وأدلّ [ 4 ] فأملّ ، وأفرط في الإساءة فأفرطنا في المكافأة ، فحلم الأديم [ 5 ] ، ونغل الجرح [ 6 ] ، وبلغ السيل الزّبى [ 7 ] والحزام الطَّبيين [ 8 ] ، فلم يبق فيه مستصلح ، ولا للصنيعة عنده موضع ، عد إلى حديثك . عود إلى تخنثه ودورانه في فلك عمر بن أبي ربيعة فأمّا أخباره في تخنثه وإرسال عمر بن أبي ربيعة إياه إلى النساء ، فأخبرني به عليّ بن صالح بن الهيثم عن أبي هفّان ، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، عن عثمان بن إبراهيم الحاطبي ، وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء ، قال : حدثني الزبير بن بكر ، قال : / حدثني محمد بن الحارث بن سعد السعيدي ، عن إبراهيم بن قدامة الحاطبيّ ، عن أبيه ، واللفظ لعلي بن صالح في خبره ، قالا [ 9 ] : قال الحاطبي : أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين ، فانتظرته في مجلس قومه ، حتى إذا تفرق القوم دنوت منه ، ومعي صاحب لي ، فقال لي صاحبي : هل لك في أن / تريغه [ 10 ] عن الغزل ، فنظر هل بقي منه شيء عنده ؟ فقلت
--> [ 1 ] ضغن : حاقد عليك من قيس الذين لا تفتأ تنال منهم . [ 2 ] متعلق الجار والمجرور محذوف ، تقديره « عالقة » أو مزرية به ، أو نحو ذلك . [ 3 ] لعله يريد بقوله : « أوجف فأعجف » أسرع في الإساءة ، وتمادى فيها ، فأصاب منزلته عندنا بالهزال والعجف . [ 4 ] أدل فأمل ، أكثر من الإدلال ، فسبب لنا السامة والإملال . [ 5 ] الأديم : الجلد ، حلم : كثر دوده ، حتى تثقب وفسد . [ 6 ] نغل الجرح : تعفن ، وفسد . [ 7 ] الزبى : جمع زبية ، وهي الربوة لا يصل إليها الماء ، فإذا وصل إليها كان ذلك نذيرا بخطر السيل ، وجملة « بلغ السيل الزبى » مثل يضرب عند تفاقم الخطر ، وبلوغه مداه . [ 8 ] الطبي - بضم الطاء وكسرها - حلمة ثدي الناقة ونحوها ، وجملة « جاوز الحزام الطبيين : كسابقتها تضرب مثلا في تفاقم الأمر ، وبها تمثل عثمان بن عفان في خطابه إلى علي بن أبي طالب ، حينما استعداه على الثائرين عليه » . [ 9 ] ضمير « قالا » لعلي بن صالح والحرمي بن أبي العلاء . [ 10 ] تريغه : من أراغه عن الأمر وعليه : طلبه منه .