أبي الفرج الأصفهاني

461

الأغاني

تبسم ضاحكا لما رآني وأصحابي لديّ عن التمام [ 1 ] فقال له الرجل : إن لي نفسا تأمرني أن أعطيكم ، ونفسا تأمرني ألا أفعل ، فقال النمر : / أما خليلي فإني غير معجله حتى يؤامر نفسيه كما زعما نفس له من نفوس الناس صالحة تعطى الجزيل ونفس ترضع الغنما ثم قال النّمر لأصحابه : لا تسألوا أحدا ، فالدية كلَّها عليّ . قصة سيف كالذي وصف النمر أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ ، قال : حدثنا عليّ بن محمد النوفليّ قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الحسن بن محمد بن عبد اللَّه بن حسن بن عليّ قال : جاء أعرابي إلى أبي ، وهو مستتر بسويقة [ 2 ] قبل مخرجه ، ومعه سيف قد علاه الصّدأ ، فقال : يا بن رسول اللَّه ، إني كنت ببطن قديد [ 3 ] ، أرعى إبلي وفيها فحل قطم [ 4 ] ، قد كنت ضربته ، فحقد عليّ وأنا لا أدري ، فخلا بي فشدّ عليّ يريدني ، وأنا أحضر ، ودنا مني حتى أن لعابه ليسقط على رأسي لقربه مني . فأنا أشتدّ ، وأنا أنظر إلى الأرض لعلي أرى شيئا أذبّه عنّي به ، إذ وقعت عيني على هذا السيف قد فحص عنه السيل ، فظننته عودا باليا ، فضربت بيدي إليه ، فأخذته فإذا سيف ، فذببت به البعير عني ذبّا ، واللَّه ما أردت به الذي بلغت منه ، فأصبت خيشومه فرميت بفقمه [ 5 ] ، فعلمت أنه سيف جيد ، وظننته من سيوف القوم الذين كانوا قتلوا في وقعة قديد [ 6 ] ، وها هوذا قد أهديته لك يا بن رسول اللَّه قال : فأخذه منه أبي ، وسرّ به . وجلس الأعرابيّ يحادثه ، فبينا هو كذلك / إذ أقبلت غنم لأبي ثلاثمائة شاة فيها رعاؤها ، فقال له : أبى : يا أعرابيّ هذه الغنم والرّعاة لك مكافأة لك عن هذا السيف ، قال : ثم أرسل به إلى المدينة ، أو أرسل إلى قين [ 7 ] فأتي به من المدينة ، فأمر به فحلَّي ، فخرج أكرم سيوف الناس ، فأمر فاتّخذ له جفن ، ودفعه إلى أختي فاطمة بنت محمد . فلمّا كان اليوم الذي قتل فيه ، قاتل بغير ذلك السيف ، قال : وبقي ذلك السيف عند أختي محمد بنت محمد . فزرتها يوما وهي بينبع في جماعة من أهل بيتي ، وكانت عند ابن عمها الحسن بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن عليهم أجمعين السلام ، فخرجت إلينا ، وكانت برزة [ 8 ] تجلس لأهلها كما يجلس الرجال ، وتحدّثهم ، فجلست تحدثنا ، وأمرت مولىّ لها ، فنحر لنا جزورا [ 9 ] ليهيىء لنا طعاما . فنظرت إليها ، والجزور في النخل باركة ، وقد بردت وهي تسلخ ، فقالت : إني لا أرى في هذه الجزور ، / مضربا حسنا . ثم دعت بالسيف ، وقالت : يا حسن - فدتك أختك - هذا سيف أبيك ، فخذه واجمع يديك في قائمه ،

--> [ 1 ] تكملة من هد . هج . [ 2 ] سويقة : موضع قرب المدينة يسكنه آل علي بن أبي طالب . [ 3 ] قديد : موضع قرب مكة . [ 4 ] القطم : الصئول . [ 5 ] الفقم : اللحى وطرف الخطم . [ 6 ] وقعة لأبي حمزة الخارجي على أهل المدينة . [ 7 ] القين : الحداد والصيقل . [ 8 ] برزة : متجاهرة جليلة تجلس للقوم يتحدثون إليها وهي عفيفة . [ 9 ] جزور : بعير أو ناقة تجزر ، والجمع جزر والجزائر .