أبي الفرج الأصفهاني

413

الأغاني

وهب لي جعفر بن المأمون طنبورها فإذا عليه مكتوب بأبنوس : كل شيء سوى الخيا نة في الحبّ يحتمل تاريخ غير مشرف وحدثني جحظة وجعفر بن قدامة ، وخبر جعفر أتم ، إلا أني قرأته على جحظة ، فعرفه ، وذكر لي أنه سمعه ، قالا جميعا : حدثنا أحمد بن الطيب السرخسيّ قال : كان عليّ بن أحمد بن بسطام المروزيّ - وهو ابن بنت شبيب بن واج ، وشبيب أحد النفر الذي سترهم المنصور خلف قبّته يوم قتل أبا مسلم ؛ وقال لهم : إذا صفّقت فأخرجوا فاضربوه بسيوفكم . ففعل وفعلوا - فكان عليّ بن أحمد هذا يتعشق عبيدة الطنبورية وهو شاب وأنفق عليها مالا جليلا ، فكتبت إليه أسأله عن خبرها ومن هي ؟ ومن أين خرجت ؟ فكتب إليّ : كانت عبيدة بنت رجل يقال له صباح مولى أبي السمراء الغسّانيّ ، نديم عبد اللَّه بن طاهر - وأبو السمراء أحد العدّة الذين وصلهم عبد اللَّه بن طاهر في يوم واحد لكل رجل منهم مائة ألف دينار - وكان الزّبيديّ الطَّنبوريّ أخو نظم [ 1 ] العمياء ، يختلف إلى أبي السمراء ، وكان صباح صاحب أبي السمراء ، فكان الزبيدي إذا سار إلى أبي السمراء فلم يصادفه أقام عند صباح والد عبيدة وبات ، وشرب ، وغنى وأنس ، وكان لعبيدة صوت حسن وطبع جيّد ، فسمعت غناء الزّبيدي ، فوقع في قلبها واشتهته ، وسمع الزّبيدي صوتها ، وعرف طبعها فعلَّمها ، وواظب عليها ، ومات أبوها ، ورقّت حالها ، وقد حذفت الغناء على الطَّنبور ، فخرجت تغنّي ، وتقنع باليسير ، وكانت مليحة مقبولة خفيفة الروح ، فلم يزل أمرها يزيد ، حتى تقدّمت وكبر حظها ، واشتهاها الناس . وحلَّت تكَّتها ، وسمحت ، ورغب فيها الفتيان ، فكان أول من تعشقّها علي بن الفرج الرّخجيّ [ 2 ] / أخو عمر ، وكان حسن الوجه كثير المال ، فكنت أراها عنده ، وكنّا نتعاشر على الفروسيّة ، ثم ولدت من عليّ بن الفرج بنتا ، فحجبها لأجل ذلك ، فكانت تحتال في الأوقات بعلة الحمّام وغيره ، فتلمّ بمن كانت تودّه ويودّها ، فكنت ممن تلمّ به ، وأنا حينئذ شاب قد ورثت عن أبي مالا عظيما وضياعا جليلة ، ثم ماتت بنتها من عليّ بن الفرج ، وصادف ذلك نكبتهم واختلال [ 3 ] حال عليّ بن الفرج ، فطلَّقها فخرجت ، فكانت تخرج بدينارين للنهار ودينارين لليل ، واعترت [ 4 ] بأبي السمراء ، ونزلت في بعض دوره . وتزوجت أمها بوكيل له ، فتعشّقت غلاما من آل حمزة بن مالك يقال له شرائح وهو صاحب ساباط شرائح ببغداد ، وكان يغنّي بالمعزفة غناء مليحا ، وكان حسن / الوجه ، لا عيب في جماله إلا أنه كان متغيّر النّكهة ، وكانت شديدة الغلمة لا تحرم أحدا ولا تكرهه ، من حدّ الكهول إلى الطفل ، حتى تعلَّقت شابّا يعرف بأبي كرب بن أبي الخطاب ، مشرط [ 5 ] الوجه أفطس قبيحا شديد الأدمة ، فقيل لها : أيّ شيء رأيت في أبي كرب ؟ فقالت : قد تمتعت

--> [ 1 ] ف : « قطر » . [ 2 ] كذا في ف وهج وفي س ، ب : « الزحجي » . [ 3 ] في س ، ب : « اختلاط » . [ 4 ] اعترت بفلان : اعترضت للمعروف . [ 5 ] كذا في م وفي أ ، ف : « مترك » لعلها تحريف مشرط ، فإن العبيد الزنوج يشرطون وجوههم .