أبي الفرج الأصفهاني
394
الأغاني
كان إبراهيم بن المدبر يتولَّى البصرة ، وكان محسنا إلى أهل البلد إحسانا يعمهم ، ويشتمل على جماعتهم [ 1 ] نفعه ، ويخصّنا من ذلك بأوفر حظ وأجزل نصيب ، فلما صرف عن البصرة شيّعه أهلها ، وتفجّعوا لفراقه ، وساءهم صرفه ، فجعل يرد الناس من تشييعهم على قدر مراتبهم [ 2 ] في الأنس به ، حتى لم يبق معه إلَّا أبي ، فقال له : يا أبا شراعة ، إن المشيّع مودّع لا محالة ، وقد بلغت أقصى الغايات ، فبحقي عليك إلا انصرفت ، ثم قال : يا غلام احمل إلى أبي شراعة ما أمرتك له به ، فأحضر ثيابا وطيبا ومالا ، فودّعه أبي ، ثم قال : يا أبا إسحاق سر في دعة وامض مصحوبا فما منك خلف / ليت شعري أيّ أرض أجدبت فأغيثت بك من جهد العجف [ 3 ] ؟ / نزل الرّحم [ 4 ] من اللَّه بهم وحرمناك لذنب قد سلف إنما أنت ربيع باكر حيثما صرّفه اللَّه انصرف قلبه عند عريب أخبرني عليّ بن العباس بن طلحة الكاتب قال : قرأت جوابا بخط إبراهيم بن المدبر في أضعاف رقعة كتبتها إليه عريب ، فوجدته قد كتب تحت فصل من الكتاب تسأله فيه عن خبره . وساءلتموه بعدكم كيف حاله وذلك أمر بيّن ليس يشكل فلا تسألوا عن قلبه فهو عندكم ولكن عن الجسم المخلَّف فاسألوا لا يسر وعريب نازحة أخبرني عليّ بن العباس [ 5 ] قال : حدثني أبي قال : كنت عند إبراهيم بن المدبّر ، فزارته بدعة وتحفة وأخرجتا إليه رقعة من عريب فقرأناها فإذا فيها : بنفسي أنت وسمعي وبصري ، وقلّ ذاك لك ، أصبح يومنا هذا طيّبا ، طيّب اللَّه عيشك ، قد احتجبت سماؤه ورقّ هواؤه ، وتكامل صفاؤه ، فكأنه أنت في رقة شمائلك وطيب محضرك ومخبرك ، لا فقدت ذلك أبدا منك ، ولم يصادف حسنه وطيبه مني نشاطا ولا طربا لأمور صدّتني عن ذلك ، أكره تنغيص ما أشتهيه لك من السرور بنشرها . وقد بعثت إليك ببدعة وتحفة ليؤنساك وتسرّ بهما . سرّك اللَّه وسرّني بك ! فكتب إليها يقول :
--> [ 1 ] في هج : ويشمل جماعتهم . [ 2 ] هج : « على قدر منازلهم » . [ 3 ] العجف : الهزال الشديد . [ 4 ] الرحم هنا : الرحمة . [ 5 ] في هج : علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب .