فخر الدين الرازي

20

تفسير الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإنذار والتبليغ ، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : موضع كم رفع بالابتداء وخبره أهلكناها . قال : وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب لأن قولك زيد ضربته أجود من قولك زيداً ضربته ، والنصب جيد عربي أيضاً كقوله تعالى : * ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) * . المسألة الثانية : قيل : في الآية محذوف والتقدير : وكم من أهل قرية ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله : * ( فجاءها بأسنا ) * والبأس لا يليق إلا بالأهل . وثانيها : قوله : * ( أو هم قائلون ) * فعاد الضمير إلى أهل القرية . وثالثها : أن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بإهلاكهم . ورابعها : أن معنى البيات والقائلة لا يصح إلا فيهم . فإن قيل : فلماذا قال أهلكناها ؟ أجابوا بأنه تعالى رد الكلام على اللفظ دون المعنى كقوله تعالى : * ( وكأين من قرية عتت ) * ( الطلاق : 8 ) فرده على اللفظ . ثم قال : * ( أعد الله لهم ) * ( الأحزاب : 25 ) فرده على المعنى دون اللفظ ، ولهذا السبب قال الزجاج : ولو قال فجاءهم بأسنا لكان صواباً ، وقال بعضهم : لا محذوف في الآية والمراد إهلاك نفس القرية لأن في إهلاكها بهدم أو خسف أو غيرهما إهلاك من فيها ، ولأن على هذا التقدير يكون قوله : * ( فجاءها بأسنا ) * محمولاً على ظاهره ولا حاجة فيه إلى التأويل . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : قوله : * ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ) * يقتضي أن يكون الإهلاك متقدماً على مجيء البأس وليس الأمر كذلك ، فإنّ مجيء البأس مقدم على الإهلاك والعلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه : الأول : المراد بقوله : * ( أهلكناها ) * أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا . وثانيها : كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى : * ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) * ( المائدة : 6 ) وثالثها : أنه لو قال وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا لم يكن السؤال وارداً فكذا ههنا لأنه تعالى عبر عن ذلك الإهلاك بلفظ البأس . فإن قالوا : السؤال باق ، لأن الفاء في قوله : * ( فجاءها بأسنا ) * فاء التعقيب ، وهو يوجب المغايرة . فنقول : الفاء قد تجيء بمعنى التفسير كقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه " فالفاء في قوله فيغسل للتفسير ، لأن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه . فكذلك ههنا البأس جار مجرى التفسير ، لذلك الإهلاك ، لأن الإهلاك ، قد يكون بالموت المعتاد ، وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم ، فكان ذكر البأس تفسيراً لذلك الإهلاك . الرابع : قال الفراء : لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال : أعطيتني فأحسنت ، وما كان الإحسان بعد الإعطاء