فخر الدين الرازي
18
تفسير الرازي
صحيح أمر المرسل إليه . وهم الأمة بمتابعة الرسول . فقال : * ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الحسن : يا ابن آدم ، أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله . واعلم أن قوله : * ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) * يتناول القرآن والسنة . فإن قيل : لماذا قال : * ( أنزل إليكم ) * وإنما أنزل على الرسول . قلنا : إنه منزل على الكل بمعنى أنه خطاب للكل . إذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى . والله تعالى أوجب متابعته ، فوجب العمل بعموم القرآن ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس ، وإلا لزم التناقض . فإن قالوا : لما ورد الأمر بالقياس في القرآن . وهو قوله : * ( فاعتبروا ) * ( الحشر : 2 ) كان العمل بالقياس عملاً بما أنزل الله . قلنا : هب أنه كذلك إلا أنا نقول : الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس إنما تدل على الحكم المثبت بالقياس ، لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس . وأما عموم القرآن ، فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة ، ولما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله الله ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر ، فكان الترجيح من جانبنا . والله أعلم . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) * قالوا معناه ولا تتولوا من دونه أولياء من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع . ولقائل أن يقول : الآية تدل على أن المتبوع إما أن يكون هو الشيء الذي أنزله الله تعالى أو غيره . أما الأول : فهو الذي أمر الله باتباعه . وأما الثاني : فهو الذي نهى الله عن اتباعه ، فكان المعنى أن كل ما يغاير الحكم الذي أنزله الله تعالى فإنه لا يجوز اتباعه . إذا ثبت هذا فنقول : إن نفاة القياس تمسكوا به في نفي القياس . فقالوا الآية تدل على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس متابعة لغير ما أنزله الله تعالى ، فوجب أن لا يجوز . فإن قالوا : لما دل قوله فاعتبروا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس عملاً بما أنزله الله تعالى أجيب عنه بأن العمل بالقياس ، لو كان عملاً بما أنزله الله تعالى ، لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله تعالى : * ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) * ( المائدة : 44 ) وحيث أجمعت الأمة على عدم التكفير علمنا أن العمل بحكم القياس ليس عملاً بما أنزله الله تعالى ، وحينئذ يتم الدليل .