فخر الدين الرازي
12
تفسير الرازي
اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد المحض ، وهو أن يقول : * ( إن صلاتي ونسكي ) * إلى قوله : * ( لا شريك له ) * أمره بأن يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد ، وتقريره من وجهين : الأول : أن أصناف المشركين أربعة ، لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله ، وعبدة الكواكب أشركوا بالله والقائلون : بيزدان ، وأهرمن . وهم الذين قال الله في حقهم : * ( وجعلوا لله شركاء الجن ) * أشركوا بالله والقائلون : بأن المسيح ابن الله والملائكة بناته ، أشركوا أيضاً بالله ، فهؤلاء هم فرق المشركين ، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل ، وذلك لأن عبدة الأصنام معترفون بأن الله سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ، ولكل ما في العالم من الموجودات ، وهو الخالق للأصنام والأوثان بأسرها . وأما عبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله خالقها وموجدها . وأما القائلون بيزدان ، وأهرمن فهم أيضاً معترفون بأن الشيطان محدث ، وأن محدثه هو الله سبحانه . وأما القائلون بالمسيح والملائكة فهم معترفون بأن الله خالق الكل ، فثبت بما ذكرنا أن طوائف المشركين أطبقوا واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء . إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد : * ( قل أغير الله أبغي رباً ) * مع أن هؤلاء الذين اتخذوا رباً غير الله تعالى أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء ، وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكاً للرب وجعل العبد شريكاً للمولى ، وجعل المخلوق شريكاً للخالق ؟ ولما كان الأمر كذلك ، ثبت بهذا الدليل أن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد ، ودين باطل . الوجه الثاني : في تقرير هذا الكلام أن الموجود ، إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته . وثبت أن الواجب لذاته واحد ، فثبت أن ما سواه ممكن لذاته ، وثبت أن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى رباً لكل شيء . وإذا ثبت هذا فنقول : صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكاً للرب وجعل المخلوق شريكاً للخالق فهذا هو المراد من قوله : * ( قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء ) * ( الأنعام : 164 ) ثم إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب ، فقال : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) * ( الأنعام : 164 ) ومعناه أن إثم الجاني عليه ، لا على غيره * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الإسراء : 15 ) أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، ثم بين تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم فيه ولا آمر إلا الله تعالى ، فهو قوله : * ( ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) * ( الأنعام : 164 ) .