فخر الدين الرازي

98

تفسير الرازي

فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله تعالى : * ( فالق الإصباح ) * على وجود الصانع القادر المختار الحكم . والله أعلم . ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول : إنه تعالى فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد ، وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل والإدراك ، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك ، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات . المسألة الثالثة : في تفسير * ( الإصباح ) * وجوه : الأول : قال الليث : الصبح والصباح هما أول النهار وهو الإصباح أيضاً . قال تعالى : * ( فالق الإصباح ) * يعني الصبح . قال الشاعر : أفنى رياحاً وبنى رياح * تناسخ الإمساء والإصباح والقول الثاني : أن * ( الإصباح ) * مصدر سمي به الصبح . فإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك فإن الحق أنه تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول : أن يكون المراد فالق ظلمة الإصباح ، وذلك لأن الأفق من الجانب الشمالي والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور . وإنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة . ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولاً من النور فيه ، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح ولما كان المراد معلوماً حسن الحذف . والثاني : أنه تعالى كما يشق بحر الظلمة عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله : * ( فالق الإصباح ) * أي فالق الإصباح ببياض النهار . والثالث : أن ظهور النور في الصباح أنما كان لأجل أن الله تعالى فلق تلك الظلمة فقوله : * ( فالق الإصباح ) * أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب . الرابع : قال بعضهم : الفالق هو الخالق فكان المعنى خالق الإصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وجاعل الليل سكناً ) * فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أنواع من الدلائل الفلكية على التوحيد . فأولها : ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم . وثانيها : قوله * ( وجاعل الليل سكناً ) * وفيه مباحث : المبحث الأول : قال صاحب " الكشاف " : السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه استئناساً به واسترواحاً إليه من زوج أو حبيب ، ومنه قيل : للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها